أي جنون هذا

العالم غارقٌ في خرابه الدموي. غارقٌ في تمزّقاته المبهرة بقسوتها وجنونها. الجغرافيا العربية لا تعرف هناء وراحة. تتمتّع بهوسها بالانتحار الملتبس. تلتذّ بالاقتراب من الموت لملامسته، قبل أن تكتشف استهزاء الموت بها. تريد انتصارات تُتقن صناعتها في خطابات لا تنتهي، وفي كلام لا ينضب. تسعى إلى إقناع العالم ببراءتها من دمها المهراق في الشوارع والفضاءات، فإذا العالم كلّه يضعها على رفّ، أو يُحوّلها أرضاً خلفية لنزاعاته اللامتناهية. الجغرافيا العربية باتت مقيتة. عفنها لا يرحم. اهتراؤها مدمِّر. خصومها تنانين ينيرون عتمتها بنار القتل والدمار. خصومها تنانين يُشبهونها. ترى صورتها في تنانين كهذه، فتعمل على التفوّق على ذاتها في معركة فنائها.
العالم غارقٌ في تحوّلات قاتلة. لا يُريد لهذه الجغرافيا العربية راحة أو سكينة. الجغرافيا العربية نفسها لا تبغي لنفسها راحة أو سكينة. إن لم يقتلها خصم أو عدو، تمارس قتل الذات بذاتها. تُطلق العنان لسلطات غاشمة كي تُنكّل بشعوبها، أو كي تساهم في التنكيل بشعوب شقيقة أو صديقة. إن لم تجرّها إسرائيل إلى حرب من هنا أو استنزاف من هناك، لا تتردّد عن إشعال حرب في جسدها من هنا، وعلى استنزاف روحها من هناك. اعتادت الخراب، لأن الجهل متأصّل فيها. انتهى زمن الإبداع. وعندما انتهى زمن الإبداع هذا، لم تعد الجغرافيا العربية قادرة على حماية نفسها من الاهتراء الداخلي، أو التبعية للخارج. الاهتراء الداخلي صنعه حكّام جاؤوا بانقلابات، وذهب بعضهم بحراك شعبي سلمي، بينما لم يتردّد بعضهم الآخر عن إشعال النار في الجسد والروح، بهدف البقاء في سلطة فقدت كل شيء إلاّ براعتها في التفنّن في ابتكار مزيد من البطش. التبعية للخارج ساهمت في تفتيت الداخل. في تقليص قوة الداخل. في حجب شعوب وبلدان عن خارطة العين والروح والقلب.
العالم غارقٌ في قذارة التاريخ. التاريخ متنصّل من العالم. متنصّل من الجغرافيا العربية التي أتقن حكّامها كيف يجعلون التاريخ مزبلة، وكيف يمرغون الجغرافيا بالوحل، وكيف يغيّبون شعوباً انقلبت على صمتها، فإذا ببعضها يحاول صنع تاريخ جديد له ولبلدانه، وإذا ببعضها الآخر يحاول الانتصار في حرب الإبادة الجماعية التي شنّها عليه حكّام مهووسون بالعنف والجنون. لكن العالم كلّه غارقٌ في جحيمه الذاتي، لأنه ارتضى أن يتبوأ الدم كل شيء، وأن يرتفع البؤس، وأن تضربه أزمات وأزمات. والجغرافيا العربية تغوص، أكثر فأكثر، في تمزّقاتها، بينما تعمل غالبية شعوبها على الانتفاض على طغيان داخلي، وعلى استقالة خارجية من مسؤولية إيقاف الدم هنا وهناك، أو على تدخّل خارجي سافر من داخل الجغرافيا العربية ضد شعوب عربية تنتفض على جلاّديها ولا تيأس.
العالم مفقود. الجغرافيا العربية نكرة. الموت سيّد اللعبة. الخراب ثقافة عيش. الكذب أسلوب تواصل. التزوير سلوك. القتل إيمان.
أي جنون هذا.

السابق
درس ساحة النجمة وأبعاده
التالي
الفيل ذو القلب الثقيل