منذ بداية الأزمة السورية والكل يعلم أنها لن تنتهي إلا باتفاق القوى العظمى على حلّ يرضيها ويرضي حلفاءها، إن كان من جهة الحكومة أم (المعارضة). والبعض منا كان متفائلاً بالنصر السوري الحكومي في نهاية المطاف ولكن لا أعتقد أن أحداً تخيّل أن بوادره ستظهر واضحة جلية بهذه السرعة. في غضون أيام بعد الاتفاق الروسي – الأميركي.
هما حلان لا ثالث لهما، إما أن الغرب وحلفاءه يسعون إلى مفاجئة أخيرة ليست معلنة، أو أن سورية بما تمثّله من ركيزة أساسية لمحور المقاومة انتصرت فعلاً بدعم روسي – إيراني. وأتى النصر مزلزلاً لدرجة كانت كافية لإعلان الاستسلام والتسليم بالقدر السوري، وهذا المرجّح.
لم يأت تصريح نبيل العربي أمس، حول المقعد السوري في الجامعة العربية من فراغ، بل جاء تتويجاً لغزل كشفته بعض التسريبات عن محاولات عربية لاستعادة تمثيلها الدبلوماسي مع دمشق، بدأت بتونس ومصر وصولاً إلى الإمارات التي صرح منها العربي حول أن دمشق سمّت سفيراً جديداً لها في الإمارة من دون الإعلان عن اسمه.
هذا التصريح الذي أعقب تصريحات لوزير الإعلام السوري عمران الزعبي أكد فيها أن مشاركة سورية في المؤتمر الدولي، رهن بمعرفة التفاصيل والتطورات مشدّداً على أن دمشق لن تكون طرفاً في أي عمل أو جهد سياسي أو لقاء يمسّ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالسيادة الوطنية. مؤكداً أن المبادرة السورية التي طرحت منذ البداية الذهاب الى الحل السياسي وإجراء حوار وطني سوري شامل لا تستثني فيه ولا تقصي أحداً.
وأشار الزعبي الى أن التفاؤل السوري بنتائج لقاء لافروف – كيري هو تفاؤل حذر مؤكداً أن الأقوال لا تكفي، بل يجب أن تكون هناك خطوات لاحقة وبحث في التفاصيل، وقد ظهر الحذر السوري واضحاً في بيان الخارجية الذي أعقب لقاء الوزيرين لافروف وكيري حيث شدّد البيان السوري على الدور الروسي البناء والمبدئي من الأزمة السورية، في حين طالب الولايات المتحدة بإثبات تصريحاتها بأفعال ملموسة على الأرض من خلال الضغط على حلفائها لوقف دعم وتسليح الإرهابيين في سورية، هذا ما أعاد الزعبي تأكيده عليه بقوله: «إننا بحاجة إلى معرفة هل يعدّ التفاهم الروسي ـ الأميركي بأهمية الحلّ السياسي وضرورته كخيار أوحد يسري على الجميع؟ وهل هو بالنسبة للأميركيين وأتباعهم واحد في السر والعلن أو فوق الطاولة وتحتها؟»، لكن اللافت أن تصريحات الزعبي جاءت بعد مقابلة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع قناة الميادين أكد فيها أن «روسيا لن تغيّر مواقفها من القضايا الجوهرية تحت تأثير الظروف المرحلية، وبالتالي لا وجود لصفقات وراء الكواليس مع الغرب».
و كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد نفى من السويد أمس ما أشيع حول أن حكومة دمشق لا تعتزم الحضور. وقال كيري «إذا قرر عدم الحضور إلى مائدة المفاوضات فسيكون ذلك سوء تقدير آخر من الرئيس الأسد. لا أعتقد أن هذا هو الوضع في الوقت الراهن».
يبدو أن هذه التصريحات لا تدلّ على صفقة روسية – أميركية لاستثناء الرئيس الأسد من التسوية المرتقبة، فروسيا منذ بداية الأزمة وقفت موقفاً حازماً من الأزمة السورية وبنت موقفها على الالتزام بميثاق الأمم المتحدة وحق الشعب السوري باختيار مصيره وقيادته من دون ضغوط خارجية كما صرّحت في العلن، لكن الواقع أن موسكو تقف موقفاً صلباً مع الرئيس الأسد لما يمثله من حليف استراتيجي لها في المنطقة وما يشكله من عقدة استراتيجية تتقاطع من خلاله المصالح الروسية – السورية وأنه لا توجد شخصية قيادية سورية حتى اللحظة تجتمع فيها كل تلك الصفات ولو أرادت التخلي عنها لكانت فعلت منذ البداية .
إضافة إلى أن السوريين يثقون بموسكو وثباتها على مواقفها لكن التصريحات السورية تأتي من باب فرض الهيمنة السورية وقطع الطريق أمام مناورات أميركية جديدة في ما يخص الشأن الداخلي السوري، إن كان من ناحية بقاء الرئيس الأسد أو من جهة جدول أعمال المؤتمر المرتقب الذي لازالت الإدارة الأميركية تسعى من خلال جدول أعماله لاستبعاد الرئيس الأسد عن المرحلة المقبلة وما يبدو واضحاً أن موازين القوى على الأرض قد تغيرت بشكل جذري لمصلحة الحكومة السورية التي تسعى إلى استثمار انتصارات الجيش السوري حتى آخر نقطة من خلال الضغط الذي بدأت تمارسه على عدد من الأطراف التي كان لها دور في دعم المسلحين المعارضين آخرها تركيا التي أبدى وزير الإعلام السوري استعداد حكومته لمساعدتها في التحقيق حول تفجيرات الريحانية الأخيرة من باب (التعليم) السياسي على حكومة أردوغان التي باتت متخبطة أكثر من أي وقت مضى، وذلك ينسحب على الولايات المتحدة التي خرجت تصريحات عدة على ألسنة مسؤوليها تؤكد عدم رغبتها بمشاركة الرئيس الأسد في جنيف 2 ليعود كيري مستجدياً حضور وفد عن الأسد في المؤتمر بعد تصريحات الزعبي المشروطة للمشاركة.
يبدو أن النصر السوري الدبلوماسي والعسكري سيترك آثاره واضحة على التركيبة الدولية الجديدة لسنوات طويلة جداً.

