ألف 7 أيار

إن فعلتموها، ستتحمّلون العواقب. هو التهديد الدائم منذ أن حلّ على اللبنانيين ذلك اليوم المجيد. فعل التهديد، ليس بالضرورة أن يكون رداً على تشكيل حكومة لا يوافق عليها ملوك السلاح. هو أبسط بكثير. الفعل قد يكون رداً على اثنين يحلمان بالحياة، في شارع مفتوح على الخراب. اثنان يُناقشان إلى أين تُجر البلاد. مواطنان لبنانيان منذ أكثر من عشر سنوات، يحاولان فهم كيف بالمرء أن يُضحي ببلد بأكمله كي يقف على خاطر من لم يكن يوماً، حاملاً لهمّ هذه البقعة الضيقة بأهلها.

تمّام سلام ليس من عالم آخر. هو كأي لبناني يعتقد أن في البلاد مساحة للحياة، وفيها، من يرغب بهذه الحياة. الفارق بين سلام وأي مواطن، بأحلام معقولة، أن الأوّل مسؤول. الثاني، الشاب، ينتظر من أي مسؤول أن يُقدم له مشروع بقاء. أي شيء، يجعله لا يمضي لياليه الكئيبة، باحثاً عن تأشيرة سفر. تهديد الأوّل، يزيد من كآبة الثاني. ما أكثر الثاني. على كثرته، لم يعد هناك من يراه. هذه هي المعادلة. هذا الثاني لا يملك السلاح، ولا يضع اشارات الانتماء، لا يجوب الشوارع مجاهراً بمعسكره. هذا الثاني، طموحاته بسيطة. مسكين. يريد الحياة، ولا يطمح إلى تفصيل موته على ما يُرضي المتحدث باسم الله، والحاكم بأمره.

هذا الثاني، وصل إلى مرحلة مُتقدمة من الرضى. ليس من مانع لديه أن يذهب الجميع، بسلاحهم وعتادهم، إلى أي بقعة من بقاع الأرض بحثاً عن جنّة وُعدوا بها. من سوريا إلى العراق وأفغانستان ومالي. لماذا لا تذهبون إلى مالي؟ الجنة أيضاً هناك. أرض الميعاد لا علاقة لها بلون البشرة. حتى هناك، قد تُقاتلون عدواً فعلياً، نسبياً، وهذا ما لا يُمكن أن يكون في سوريا، حيث لا عدوّ سوى أبرياء يريدون حريّتهم.

وهذا الثاني، الخائف من السلاح وأسياده. يقف في الشارع، يريد العبور إلى المقلب الآخر، لعلّه يقي نفسه من رصاصة طائشة. بماذا يصطدم؟ الأرثوذكسي. قانون الفصل المذهبي. هكذا يُراد له أن يعيش بين خيارين لا ثالث لهما. قدره، أو ما يراد له، أن يكون تحت رحمة السيء والأسوأ. خيار الموت من أجل لا شيء، أو الحياة على هامش كل شيء. هذا الثاني، يُسيّر. لا حيلة له سوى الهروب. أبواب السفارات، من الشيطان الأكبر إلى الأصغر، أرحم من أبواب الجحيم التي تنتظره هنا.

الأوّل، الرئيس المكلّف، لا حول له ولا قوّة. يريد ويريد. وما أبعد المسافة بين أمنياته والواقع. توهّم هو، وكثر غرقوا معه في الوهم. اعتقد أن الإجماع أشبه بطريق نُزعت منه الألغام، وفُرشت بالورود. الحلم كان سريعاً. الخروج منه لا يحتاج سوى إلى مقالٍ أو تصريح، تمرّ فيه كلمة 7 أيار. تصريح لا يقول شيئاً سوى هذه الكلمة. كل الكلمات أشبه بتوليفة لملء الفراغ، لزوم ما لا يلزم، إن ناسبت الكلمات أو لم تناسب. هي الكلمة المطلوبة، مرّت فوق كل الكلمات. وصلت، طبعاً ستصل.

الاثنان ، مع فوارق في المكان، في المسؤولية، في القدرة على التحمّل، يواجهان واقعا سيئا. الأوّل قد يستمرّ، فهو سياسي من بيت عريق. الثاني، كيف يستمر، وهو ليس سياسياً ولا يريد أن يكون، ولا هو ابن بيت عريق ولا بيك. الثاني، يربطه في هذه البلاد اليوم، ما يربط ديبلوماسي بأرض بعيدة عن أرضه. هذا الثاني، سفير. سفير لأي دولة يعد نفسه بها. يمضي أيامه في انتظار أن تعطيه تأشيرة، تُخرجه من شبه قنصلية، إلى دولة.

هذا الثاني يُشبه في كل شيء، عُمر وجهاد. واحد عاش لفلسطين، حمل السلاح. تركته القضية وحيداً. لجأ إلى الدولة وحارب من أجلها، لفظته. عمر يريد لإبنته يسمى أن ترحل بعيداً. يئس ولا يريد لها أن تيأس من بعده، أو أن تيأس عليه. جهاد، حلم. استيقظ صبيحة يوم أسود ليقتنع أنه في هذه البلاد، ممنوع الحلم. اختار الرحيل وعائلته، إلى أرض يكون فيها مواطناً. أرض لا تشبه هذه الأرض بشيء.
مع كل تصريح أسود، تمرّ كلمة 7 أيّار ثقيلة. معها، تمرّ في ذاكرة هذا الثاني عدة صور. صورة شاب يساري، وهو يحمل امرأة عجوز، ويخرج بها من بين أنقاض قصف اسرائيلي في حرب تموز. الشاب هو أيضاً ذلك الثاني الذي يريد الحياة، وذلك الثاني الذي له ولأمثاله وللحالمين مثلهم، قد يكون ألف 7 أيار.

السابق
المخرج بيد الوزير الملك!
التالي
واقع فلسطيني مزر