مصر الجريحة والغاضبة تفتح لنفسها وللعرب فصلاً جديداً في ثورة ٢٥ يناير. فلا الثورة فصل واحد تصور الإخوان المسلمون والعسكر والأميركان أنهم فتحوا به كتاب ميدان التحرير. ولا معركة السلطة سوى واحدة من المعارك في حرب الثورة، وإن صارت أم المعارك. ومن الصعب على الرئيس محمد مرسي أن يحسم معركة الاستئثار بالسلطة التي لم يربحها بأصوات الإخوان والسلفيين وحدهم. فهو مزّق أوراق الالتزامات والتعهدات التي وقّعها للوصول الى الرئاسة مستفيداً من رفض التيار المدني لوصول الفريق أحمد شفيق. والأسلحة التي استخدمها، بعد الوصول، هي قلم الرئاسة، الغاز المسيل للدموع، الرصاص، اعلان الطوارئ وفرض حظر التجول، والدعوات الى حوار فارغ بعد فرض دستور إخواني.
وليس هناك حل أمني لأزمة وطنية وسياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية قادت الى تفجير الثورة على النظام الاستبدادي السابق، وصارت أكثر حدة بعد مصادرة الثورة لإقامة استبداد جديد. فلا الرصاص يخيف بورسعيد التي كان دورها في حرب السويس مجال فخر لمصر والعرب. ولا الغاز المسيل للدموع يردع الشباب من التظاهر والاعتصام في ميدان التحرير. ولا جبهة الانقاذ الوطني تذهب الى الفخ بعيون مفتوحة، وتقبل المشاركة في حوار بلا أسس ولا ضمانات لتعديل الدستور وقانون الانتخاب وتأليف حكومة وحدة وطنية.
وكل الأنظار موجهة الآن الى مصر. فما يدور فيها يحدد مستقبلها ومستقبل العرب. نظام الاستبداد كان النموذج الذي قلّدته دول عربية عدة. والثورة عليه أعطت العرب ثلاثة دروس. الأول ايجابي، وهو أن ثورة شعبية بلا قيادة قادرة على إسقاط نظام استبدادي طويل العمر مارس القمع وتصور أنه يحميه، وأوحى أن عصر الثورات انتهى. والثاني سلبي، وهو أن مصادرة الثورة بعد نجاحها ممكنة عبر تحالف المصالح بين أميركا والإخوان والعسكر. والثالث ايجابي، وهو استحالة أن يتحكم بالبلد تيار واحد. فلا مجال للتسليم بحكم التيارات الدينية حتى في مجتمعات متدينة، لأن الفارق كبير بين أن يكون الدين له وبين أن تمارس جماعة دينية السلطة السياسية تحت عنوان الحاكمية لله.
والاعتراض في مصر ليس فقط على استبداد باسم الدين يراه كثيرون نوعاً من ولاية فقيه سنية بل أيضاً على انكشاف موقف الإخوان العاجز عن معالجة المشاكل الاقتصادية الخانقة والمتمسك بسياسة مبارك النيوليبرالية ومصالح أميركا الأساسية في مصر ومع اسرائيل. فالرئيس مرسي فقد بسرعة صدقيته، وربما شرعيته. والمعارضة أثبتت أنها قوة مهمة، وإن بقي عليها أن تترجمها الى أرباح سياسية.

