جعجع: الثابت الوحيد في المتغيرات الدولية

لا بدّ أن يجتمع «المجتمع الدولي» ـــ بمعزل عن مجتمعات روسيا والصين والهند والبرازيل وفنزويلا وإيران والفاتيكان وغيرهم ـــ ليلزّم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، رسمياً، قيادته. فما يحصل، يؤكد عدم إحسان الرئيس الأميركي باراك أوباما والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أداء واجبيهما. صحيح أن «اتجاه الأحداث في سوريا لن يعود إلى الوراء» بحسب رؤية سمير جعجع التي لم تصب (بعيد الشر) يوماً. وصحيح أن «الوضع يتجه إلى سقوط نظام الأسد» كما آل عرش الرئيس إميل لحود إلى السقوط بفعل حملة «فل» عام 2005، إلا أن ذلك لا يحول دون «شعور» جعجع برغبة «بعض المرجعيات الدولية بترك الأمور السورية على عواهنها». ليس من عادة جعجع انتقاد حكمة «المرجعية الدولية» و«سعة آفاقها» التي يتعلم منها توسيع آفاقه؛ إلا أنه ممتعض اليوم. فـ«لو وجدت الإرادة الدولية والنية»، يقول سجين معراب في أحاديثه التلفزيونية الأخيرة، «لسقط النظام».

لا الجرح الاهدني ترك أثره في قائد القوات، ولا خيانة الاسرائيليين للمسيحيين التي شهد جعجع في الشوف أبشع نتائجها، ولا اغتيال الرئيس بشير الجميل الحتميّ، ولا الطائف أو أي شيء آخر. لا يعترف الرجل بالخطأ، حتى يتعلم منه. كل الخيارات المأساوية محطات نضالية في مفهومه. يريد جعجع إقناع جمهوره الآن بأن الإرادة الدولية «التي لا تهزم» كانت قادرة على إسقاط النظام، لكنها لم تُرِد. لماذا؟ يمكن جعجع ومن معه تقديم نظريات تتجاوز في سخفها كل سخف ممكن. يتلاقى جعجع والنائب وليد جنبلاط في الرهان على الإرادة الدولية لكسر إرادات الشعوب المحلية، لكنهما يفترقان في وجوب الانفصال عن هذه الإرادة عند تعارضها ومصالح مجموعتيهما. يعدل جنبلاط حين يتيقن أن «الإرادة الدولية» ستخذله مجدداً، أما جعجع فيندفع أكثر فأكثر. والسبب؟ نظرية فلسفية تقنع المعرابيّ بأن السماء تنتدبه لقيادة المسيرة الكونية. يقنع نفسه وبعض المقربين منه بذلك. لا علاقة هنا إذاً للارتباطات المالية والمزايدات المحلية، الأمر أخطر بكثير. الأمر فلسفياً أشبه بسعادة المسيح وفق الأناجيل باقتراب موعد صلبه. فما تراجع «الإرادة الدولية» إلا فرصة جديدة ليحاول جعجع قيادة المسيرة الكونية وإثبات وفائه لمبادئه وقيمه وغيرها من شعاراته. فليحذر باراك أوباما ومن معه في هذا الكون الواسع: في حال خفتت همتهم، وتمادوا في رغباتهم بإبقاء الأوضاع على حالها في سوريا وغيرها، ولم يلتزموا بمشروع جعجع كاملاً، فإنه حاضر هنا الآن وأبداً، انطلاقاً من جبّة بشري مع زوجته العزيزة، لقيادة أحرار هذا العالم. وما على مجتمعه إلا تحمل التدمير والانكسار السياسي والهجرة والانهيار الاقتصادي وثمن الشموع لإضاءتها على نية سجين اليرزة. لا، لا يعتقد جعجع نفسه قديساً؛ القضية أخطر.

في لحظة الاهتمام الفاتيكاني الاستثنائي بمن تبقى من مسيحيي المنطقة لمعرفته أن تسوية على وشك الولادة هنا، لا يعدل جعجع انسجاماً مع «الإرادة الدولية»، إنما ينعطف بمجموعته الصغيرة من المقاتلين المتقاعدين وأسرهم صوب تحالف غريب عجيب مع أبناء بن لادن المشتتين بين عبرا ودكاكين التبانة، مستخفاً بكل الهواجس التي دأب وقواته عقوداً على زرعها. يريد جعجع أنصاراً مجتمعاً يصفق له إذ يخبره أن السلاح الفلسطيني كما المتشددين الإسلاميين وحكم الشريعة على مرمى حجر من بيروت وغيرها مجرد «فزيعات»، فالخطر الوحيد هو نص مكتوب في مكان ما، عنوانه «ولاية الفقيه».

فعلياً، لا يمكن أحداً أن يعرف كيف يقضي رجل معراب أيامه أو لياليه. لا يمكن أحداً تحديد طبيعة الصحف التي يقرأها والتحليلات التي ترده والمستشارين الذين يفتحون عينيه ويغمضونهما. كلما ازدادت الحرب ضراوة في سوريا وازدادت الإرادة الدولية تردداً، وثبت عدم تطابق الحسابات الدولية والأحلام الجعجعية ازدادت الأمور هنا في حسابات المتابعين لجعجع خطورة. فكل ما يشهده اللبنانيون اليوم ليس في نظر جعجع، المجهول. لا يمكن، يقول رئيس مليشيا القوات اللبنانية السابقة، تعديل اتفاق الطائف. يقطع الرجل مرة أخرى طريق نفسه ومن يمثل أمام المبادرات، مصدقاً نفسه حين يقول إن «اتفاق الطائف ما زال يُعبّر ويُمثل كلّ القوى الفاعلة في الواقع اللبناني». كلهم يعني كلهم. و«إما الطائف كما هو أو (أ) ذهب (بـ) البلد الى المجهول». رجل التمسك بالتفريط في صلاحيات الرئاسة الأولى ممثلاً باتفاق الطائف، مستعد أن يفرط بما ومن تبقى، وما على المسيحيين إلا التصفيق لـ«القضية» ومواقفه المبدئية والبطولية. لا رفاق، لا حياة زوجية، لا كنيسة، لا مصالح طائفية، لا أزمة اقتصادية وهجرة وغيرها يمكن أن يردعوه. أنا أو لا أحد. بين كل السياسيين، لا يمكن لسياسي مزاحمة قائد القوات اللبنانية في هذه: أنا أو لا أحد.

يريد الرجل لجمهوره والآخرين الاقتناع بأن «المحكمة الدولية أبرزت أدلة تدين الفريق الآخر في جرائم الاغتيال» وأن «قضاة هذه المحكمة يأتون من دول محايدة» (على غرار الولايات المتحدة وقطر والسعودية وكل أوروبا المحايدين في نظر جعجع)، وكل «الأحاديث عن المؤامرات سخف». ولن يحل برأيه نظام متطرف محل النظام السوري الحالي لأن «المجتمع السوري قريب من المجتمع اللبناني»، ونحن مجتمع علماني مدني ديموقراطي، لا طائفي ومذهبي وإلغائي أو حتى عنفي. أما تيار المستقبل فليس مسلحاً: كل ما في الأمر «أن بعض المسحلين المقربين منه ينزلون الى الشارع في حالات التوتر». ولا علاقة له وللقوات اللبنانية بمجزرة صبرا وشاتيلا. ورسالة ختاماً إلى الشارع العربي: «أنا لستُ من صوروه لكم». أنا حلو، مسالم في ما خص السنة، شرس ضد الشيعة. أحبوني. العناية الإلهية انتدبتني لقيادتكم والعالم. أنا «على صورة الله ومثاله» وأكثر.

السابق
ماريو باسيل المبالغة المقززة
التالي
زار دول العالم أجمع دون طيران