رفض الحوار رفض للاستقرار

تتضمن مبادرة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان إجراء مروحة من المشاورات مع أركان طاولة الحوار تهدف بالدرجة الأولى إلى تقريب موعد انعقادها نتيجة التطورات التي استجدت على الساحة اللبنانية في ضوء عملية الاغتيال المستنكرة التي طالت رئيس فرع المعلومات اللواء وسام الحسن، وما رافقها من أعمال عنف وشغب وقتل وقطع طرقات ومحاولة خلق فتنة طائفية ومذهبية من خلال الاستفزازات الصادرة من قوى «14 آذار» إن كان على الصعيد القيادي أم الشعبي، والذي كاد أن يوصل لبنان إلى حافة الهاوية الحقيقية لولا تدارك وحكمة وروية قيادات 8 آذار، وعلى وجه الخصوص قيادتي حركة أمل وحزب الله لتفويت الفرصة على الجهات نفسها التي اغتالت اللواء وسام الحسن.
في نظرة أولية وموضوعية لسير المشاورات التي أجراها الرئيس ميشال سليمان يبدو أن فريق «14 آذار بشخص النائب فؤاد السنيورة وبعده الأمانة العامة لهذا الفريق قرّرا أن يكونا في الموقع المعادي لمصلحة لبنان في أمنه واستقراره من خلال رفض الجلوس إلى طاولة الحوار، إلا بعد رحيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وقوبل هذا الأمر بالرفض الحاسم من قبل رئيس الجمهورية الذي يسعى جاهداً ومن موقع مسؤوليته الوطنية وقسمه الدستوري الى الحفاظ على الدستور وعلى وحدة لبنان وسيادته واستقلاله، إذ ومن وجهة نظر الرئيس سليمان، أن أي حوار بشأن أزمة وطنية كالتي يعيشها لبنان بعد عملية اغتيال اللواء الحسن لا يتطلب من أي فريق سياسي أن يضع شروطاً على مبدأ الحوار، خاصة أن مشاورات الرئيس سليمان تقتصر على تقريب موعد جلسة طاولة الحوار للبحث في المستجدات الأمنية والسياسية التي عصفت بلبنان مؤخراً فقط.
ترى مصادر سياسية أن رئيس الجمهورية الذي لقي كل تجاوب لتحقيق مطلبه هذا من فريق 8 آذار، لا يمكن أن يقف مكتوف اليدين وهو يراقب لبنان الذي يريد له البعض أن يعيش حالة من الفراغ السياسي، وما يمكن أن ينتج منه من مضاعفات وتطوّرات سلبية جداً في مستقبل البلد ومصيره، فهو لذلك أي الرئيس سليمان لن يدَّخر جهداً لتأمين الأجواء والأسباب التي تكفل عقد طاولة الحوار في أقرب وقت ممكن، خاصة أن الحركة الدبلوماسية التي شهدها لبنان بعد اغتيال الحسن والتي بدأت بلقاء الرئيس سليمان مع سفراء الدول الخمس الكبرى إذ سمع كلاماً صريحاً وواضحاً من أولئك السفراء عن دعم حكوماتهم للبنان وللمساعي التي يقوم بها لتحقيق الحوار المنشود بين القوى السياسية وتحديداً أطراف المعارضة المتمثلة بفريق «14 آذار» والحكومة اللبنانية التي تضم قوى سياسية فاعلة تشكل شراكة حقيقية في الحكم وتحمل المسؤولية، ناهيك عن زيارة السيدة آشتون ولقاءاتها مع الرؤساء الثلاثة وإعلانها عن دعم الاتحاد الأوروبي للبنان واستقراره من منطلق الرفض لأي فراغ سياسي يمكن أن يؤدّي إلى فوضى حقيقية في لبنان لا يمكن لأحد أن يقدِّر عواقبها الأمنية والسياسية في آن واحد.
وتعتبر المصادر السياسية أن كل هذه الدول وحجمها العالمي ومواقفها المؤيدة لاستمرار حكومة الرئيس ميقاتي يبدو أنها لم تقنع النائب فؤاد السنيورة وفريقه السياسي بأن ما يطالبون به من رحيل للحكومة هو من باب التعجيز من جهة وهرب إلى الأمام من جهة أخرى في محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادوها ضد الحكومة عبر محاولة احتلال السراي الحكومية بالتزامن مع أعمال العنف والشغب وحرق الإطارات وقطع الطرقات ثم فتح جبهات قتالية في كل من طرابلس وبعض أحياء بيروت، كالذي شهدته منطقة طريق الجديدة ومحاولات استفزاز محيطها لخلق فتنة مذهبية بغضاء، يريدها فريق «14 آذار»، لأنها تخدم أجندات خارجية وهذه الجهات نفسها شريكة بشكل أو بآخر في عملية اغتيال اللواء وسام الحسن، تعتبر المصادر نفسها أن هدفه الرئيس خلق فتنة على الساحة اللبنانية وإرباك الدولة والحكومة اللبنانية ومحاولة إعادة السيناريو نفسه عندما اغتيل الرئيس رفيق الحريري للاستيلاء على السلطة كما فعلوا عام 2005.
وتوضح المصادر السياسية أنه إلى جانب الموقف الدولي الداعم لبقاء حكومة الرئيس ميقاتي، فإن مواقف النائب وليد جنبلاط التي يكرّرها باستمرار تنسجم مع الموقف الدولي رغم تحريض سمير جعجع النائب جنبلاط مراراً على ضرورة سحب وزرائه من الحكومة، لكن ردّ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي على جعجع كان حاسماً لناحية قوله إنه يرفض المزايدات على مواقفه من الحكومة وإنه مقتنع كلياً بعدم حصول فراغ سياسي يضع لبنان في المجهول مع استعداده للمشاركة في حكومة وفاق وطني إذا تأمن التوافق الدولي والإقليمي بشأنها.
كل هذه المعطيات تتطلب من فريق «14 آذار» التجاوب مع مبادرة وطلب رئيس الجمهورية لناحية تقريب موعد انعقاد طاولة الحوار، فمصير لبنان بات على المحك، وأي جهة أو فريق سياسي يتهرّب من هذا الاستحقاق، فالنتيجة الموضوعية هي أنه مشارك في تهديد أمن لبنان واستقراره وهو الفريق نفسه الذي كان ينادي بالعبور إلى الدولة، فإذا به بعد الذي رآه اللبنانيون منه في الأيام القليلة الماضية يجعل من الدولة جسراً يريد أن يعبر عليه لتحقيق شهوة السلطة والحكم التي تتحكم بذهنيته وعقليته، التي لا يخجل في الإعلان عنها، حتى لو كانت على حساب دم اللواء وسام الحسن.

السابق
قاتل الشاب رولان شبير.. رفيق الدرب يعترف بفعلته
التالي
طفل في السابعة يكتب رسالة لوالده يتوسل فيها بعدم ضرب والدته!!