لا تختزل الأزمة السورية بشخص، حتى ولو كان فاروق الشرع، بل بمشروع إنقاذي، وعندما يصبح جاهزاً، عندها يمكن الحديث عن أبطاله ومنفّذيه. حتى الآن لا يزال الهدر عنوان المرحلة، هدر الوقت، وهدر الدماء، وهدر الفرص، وهدر الأسماء، ولم تعرف بعد الخلفيّة التي دفعت بوزير الخارجيّة التركي أحمد داود أوغلو الى اختيار الشرع رئيساً لحكومة انتقاليّة في سوريا.
هل هي القذائف المتبادلة بين الطرفين وعلى طول الحدود، بحيث يتيح الزمان فرصاً للبحث والتفكير بمبادرة إنقاذيّة، قبل أن تتوسّع وتتعمّق، وتتحول الى مواجهة شاملة ومكلفة بين البلدين؟ هل هي تركيا الموقع والدور التي تبحث عن مكان لها في تسوية يوازي حجم ما قدّمته ولا تزال للمعارضة لتتمكّن من تحقيق أهدافها؟ هل هو الأخضر الإبراهيمي الذي يستعد لجولة جديدة في المنطقة شاءت أنقرة أن تستبق تحرّكه، بطرح مجموعة من الأفكار يمكن أن تصبح بنّاءة لمهمته؟
إنّ كلّاً من هذه الاحتمالات يحتاج الى كمّ من المعلومات المدققة توضع بتصرف فريق عمل متخصص ليُبنى على الشيء مقتضاه. لكن في ظلّ غياب الوضوح والانقشاع، كان لافتاً ترحيب المعارضة السورية، أو شريحة واسعة منها، الأمر الذي أكسَب الاقتراح شيئاً من الجديّة، فضلاً عن مسارعة جامعة الدول العربيّة الى القول إنه اقتراحها أصلاً وفصلاً، وحسباً ونسباً، وقد بادرت إلى طرحه قبل مدّة من الزمن، ولم يلقَ يومها التجاوب المطلوب، ولا البيئة الحاضنة لا من النظام، ولا من المعارضة.
لم تكن الجامعة في صدد تسجيل موقف، إنما خرجت عن صمتها تناغماً مع إيحاء خارجي، حيث تسعى المشاورات الدوليّة – الإقليميّة الى كبح المحاولات الرامية الى فتح جبهة تركيّة – سوريّة جديدة. إن جبهة واحدة داخل سوريا تكفي في هذه المرحلة، ولا تحتاج الإدارة الأميركيّة إلى جبهات مفتوحة على فوضى عارمة في الشرق الأوسط، وهي المنهمكة حاليّاً بانتخاباتها الرئاسية.
مرحلة انتقالية في سوريا بقيادة الشرع او غيره، أصبحت حاجة ملحة لكثير من الدول التي استمتعت طويلا وهي تراقب النار تلتهم الأخضر السوري ويابسه، لا بل أسهمت في تأجيجها إمّا تسليحاً أو تمويلاً أو دعماً لهذا الطرف او ذاك، او صمتاً وتغاضياً عمّا يجري، لأن لعبة المصالح كانت تستدعي هذا النمط من التعامل.
الآن تغيّر المشهد، وتغيرت الحسابات، وربما التحالفات أيضا، ولم تعد النار محصورة، إنها تتوسّع وتتمدد باتجاه تركيا، والأردن، ولبنان حيث جاء الردّ سريعاً على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من مستشاري "الحرس الثوري الإيراني" و"حزب الله".
رفض الرئيس أن يكون لبنان منصّة للرسائل، فجاء الردّ سريعاً من خلال الطائرة من دون طيار التي اخترقت المجال الجوي الإسرائيلي. استدعى هذا الحادث استنفاراً ديبلوماسيّاً.
لا يريد الغرب أن يخرج البركان السوري عن حدود السيطرة ويحرق المنطقة، هناك أولا سياسة ضبط النفس إلى أقصى الحدود، وهناك الحلف الأطلسي المستنفر منذ سقوط قذيفة "الهاون" السوريّة على قرية أكجاكالي التركيّة، وباتت خطته واضحة، ومن معالمها مراقبة الدور الإيراني في كلّ من سوريا ولبنان والأردن، وهدفه حمل الغرب على تخفيف ضغوطه التي بدأت تؤلّب الشارع ضد حكم الرئيس أحمدي نجاد.
ومن معالمها أيضا مراقبة تطوّر الوضع على طول الحدود السورية – التركيّة ميدانيّا، وتكثيف الاتصالات مع المرجعيات الدوليّة المؤثّرة لتبريد الرؤوس الحامية، والجبهات المفتوحة.
وإذا كان آخر الدواء الكيّ، فإنّ الحلف الأطلسي لن يتدخل مباشرة وعلناً، لكنه سيفتح مستودعاته أمام الجيش التركي، ويقدّم خبراته القتالية للقيام بعملية عسكريّة نوعيّة تقلب المعادلة السائدة حاليّا في سوريا رأساً على عقب، لا لمصلحة المعارضة مئة في المئة، ولا لمصلحة فلول النظام مئة في المئة، بل لمصلحة الخيار الثالث المتمثل بمرحلة انتقالية واضحة المسار والمصير لها حساباتها ورجالاتها.
وقد يكون الشرع من بين الأسماء المطروحة لقيادة هذا الخيار على رأس حكومة انتقاليّة يختار المجتمع الدولي شخصياتها المؤهلة لمواجهة تحديات هذه المرحلة وصعوباتها، حكومة لها برنامجها الواضح، وجدول أعمالها المشبع بالاستحقاقات الدستوريّة – السياسيّة، من استفتاء على دستور جديد للبلاد، الى انتخابات نيابيّة، فرئاسيّة، إلى سلّة واسعة من الإصلاحات السياسيّة الاقتصادية والاجتماعيّة… هذا إذا صدقت النيّات وشعر المجتمع الدولي بأن ما حلّ بسوريا من كوارث حتى الآن، كافٍ، وليس من مصلحته طلب المزيد من الدماء والفوضى؟!

