من الواضح أن بشار الأسد بات يتمترس خلف خيارين يدلّ عنف معركة حلب على أن لا ثالث لهما: فاما أن يستردها على طريق استعادة سيطرته، او يدمّر البلد عبر حرب استنزاف قد تمتد لسنوات اذا استمر الموقف الخارجي على تلكوئه تاركاً للنظام ان يتأكل بدون كلفة مباشرة بغض النظر عن حجم الدم السوري الذي يراق.
فبشار الأسد لم يتورع عن استخدام افظع الوسائل في محاولة عبثية لاسترداد سلطته من "الجيش السوري الحر" الذي نجح مؤخرا في تحرير مناطق بكاملها، فاتبعت قواته سياسة التدمير الشامل والتهجير السكاني عبر هدم المنازل والاعدامات الميدانية علّها تنجح في الفصل بين الثوار ومحيطهم الشعبي.
وقد تجلى ذلك خصوصا في حلب مع بدء معركة استعادتها مما أدى إلى تدمير الاسواق القديمة في العاصمة الاقتصادية ذات القيمة التاريخية المميزة والموقع الجغرافي القريب من الحدود مع تركيا. كما لم ينجح "الجيش السوري الحر" في الخطة التي اطلقها قبل ايام لتحرير المدينة التي باتت مقسومة إلى شطرين.
فالانفجارات التي هزّت وسط حلب أمس وسوّت بالأرض مباني بأكملها في مشهد مروّع من حيث حجم الدمار، سبّبها، وفق شهادات ناشطين نشرتها مواقع الكترونية، قصف جوي استهدف "نادي الضباط" ومحيطه بسبب تحركات انقلابية. فيما عزاها الإعلان الرسمي إلى تفجير سيارات مفخخة نفذه "ارهابيون". وأتت هذه التفجيرات غداة تسريب صحيفة لبنانية مقربة من النظام الحاكم معلومات عن زيارة قام بها الأسد للمدينة.
وتزامن تصعيد العنف في حلب، اضافة إلى مناطق اخرى خصوصا في ريف دمشق، مع استمرار الوضع متوتراً في القرداحة، مسقط رأس الأسد، من جراء الاشتباكات التي جرت بين عائلات علويّة تتخوف على مصيرها بعد سقوط النظام ومؤيدين لبشار الأسد، مما استدعى تدخل الحرس الجمهوري لوقفها.واذا صحّت هذه المعلومات تصبح مقولة تشكيل قوة خاصة بدل الاعتماد على الجيش النظامي مقبولة لحماية منطقة علوية قد يلجأ اليها في نهاية المطاف، خصوصا وسط اخبار صحافية تشير إلى أن إيران تعمل على تاسيس إطار أمني وعسكري على مثال حرسها الثوري عبر تدريبها نحو 60 الف مقاتل سوري.
ومما يدل كذلك على استعداد الأسد لتدمير سوريا وحتى تفتيتها اذا لم يستعد سيطرته عليها، تسليمه أمن المناطق الكردية المحاذية للحدود مع تركيا في شمال شرق البلاد إلى تنظيمات كردية بدأت تؤسس لحكم ذاتي في محافظة الحسكة عبر انشاء مجالس محلية ترفع لافتات بلغتها الأم.
والوقت يداهم الأسد خصوصا مع بوادر اهتزاز الاوضاع الإيرانية الداخلية فيما الحليف الدولي، الروسي خصوصا، شبه ناء بنفسه رغم الدعم اللفظي.
فقد شهدت شوارع طهران أمس مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين على خلفية ازمة تدهور سعر صرف العملة الوطنية التي فقدت مؤخرا نحو ثلث قيمتها من جراء العقوبات الدولية بسبب الملف النووي وفق مسؤولين إيرانيين واميركيين. فإلى متى تستمر إيران، التي مدّت الأسد بما يعادل نحو 10 مليارات دولار منذ اندلاع الثورة، بمواصلة دعمها المادي في ظل الاوضاع الاقتصادية المستجدة والتي ستؤدي حكما إلى نقمة اجتماعية مرفقة بتساؤلات عن امكان تجدد الانتفاضة ضد النظام مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في حزيران المقبل. وكانت شوارع طهران قد شهدت عام 2009 تحركات مماثلة نجح النظام في قمعها.
وماذا عن الدعم الروسي عندما تصبح إيران عاجزة عن دفع ثمن الاسلحة التي تزود الأسد بها؟
حتى ان الأسد سيكون عاجزا عن استخدام السلاح الكيماوي ضد الثوار بعد ان حددّ له المجتمع الدولي وخصوصا الولايات المتحدة هذه الخطوة كحد فاصل للتدخل العسكري، وهو ما لم تعارضه روسيا. وحتى إيران ترى أن هذا الاستخدام يقضي على مشروعية النظام، وقد أكدت مؤخرا من نيويورك وبلسان وزير خارجيتها علي أكبر صالحي أنه "اذا ما تحققت هذه الفرضية سيكون ذلك نهاية كل شيء".
ويبدو النزف السوري إلى استمرار مع فشل كل مبادرات السلام وغياب أي حل سياسي رغم المخاوف من تصديره إلى دول مجاورة. فالغرب، وفي الاساس الولايات المتحدة، لا يبدو مستعجلا طالما النظام عاجز عن استعادة موقعه خصوصا انه يستنزف الحليف الإيراني. هذا الحليف الإيراني الذي هددته مصر بالخسارة المنتظرة. فبوضوح صوّر وزير خارجية مصر، التي اطلقت مبادرة رباعية ضمت إلى جانبها انقرة والرياض وطهران، الخسارة التي تنتظر إيران اذا واصلت دعم هذا النظام بقوله "اذا ذهب هذا النظام وانتم مصرون على الوقوف معه فستذهبون معه، ولكن لو شاركتم في الحلّ سيكون لكم مكان" مشددا على أن "لاخلاف على انه سيذهب والخلاف فقط متى سيذهب بعد اسبوع او اشهر او عام"..

