أطلق السيّد هاني فحص والعلّامة محمد حسن الأمين نداء باسم الطائفة الشيعية، حاولا فيه قطع الطريق على الثنائي الشيعي الذي انخرط مع النظام السوري في مواجهة الشعب السوري.
منذ ذلك الحين والمساعي لم تتوقف لجَمع من هم خارج هذا الثنائي في إطار يصلح للعمل المشترك لشخصيات شيعية ما تزال إلى الآن مبعثرة الجهد والمسعى، على رغم توَحّدها حول هدف واحد ورؤية واحدة، ما يسمح بالقول إن التقاءها على قراءة واقع الطائفة ودورها في لبنان والمنطقة، لا يندرج ضمن الخانة الضيقة التي يتهم معارضو الثنائي الشيعي بأنهم يجلسون فيها، فقط لأن ليس لهم مكان يأويهم داخل هذا الثنائي.
النداء الذي أصدره فحص والأمين كان البداية، والاتصالات جارية لبلورة لقاء شيعي من شخصيات مدنية ودينية، لكن العجلة تسير ببطء قد يؤدي إلى مرور القطار بعد إنشاء اللقاء المزمع إنشاؤه، والذي يحلو لبعض الأوساط أن تطلق عليه مسبقاً توصيف لقاء قرنة شهوان الشيعي، في إشارة إلى الدور التاريخي الذي رَعته الكنيسة بإنشائها اللقاء المذكور في مرحلة انتقالية مفصلية.
وإذا كانت الثورة السورية قد أعطت المعارضة الشيعية شيئاً من الزخم، تِبعاً لصحة الخيارات التي انتهجتها، فإنّ الحوادث المتسارعة في سوريا وضعت الطائفة بكلّ قياداتها في مكان آخر مختلف تماماً. فلا "حزب الله" القديم المتكئ على جسر التحالف الإقليمي الثنائي باتَ قادراً على الاستمرار كما كان، ولا المعارضة الخجولة التي كانت حتى ما قبل آذار 2011، تاريخ اندلاع الثورة السورية، مسموح لها أن تواجه استحقاقات مصيرية يفترض أن تواجَه بشجاعة وتبَصّر.
إذا جاز تبسيط الاحتمالات الشيعية والخيارات التي ستتبع على إيقاع بداية نهاية النظام السوري، فإنّ مسارات ثلاثة قد تصلح للدراسة:
– الأول، وهو مستبعَد، يقول بضرورة دعم النظام المتهاوي مهما كان الثمن. هذا الخيار الذي أيّده منذ البداية متشددون في "حزب الله" والذي لم يوافق عليه الرئيس نبيه برّي، أصبح ورقة بلا معنى مع تأكّد الحزب أن النظام سقط ولن يعيش، وهو باتَ خارج التداول، أو خارج التأثير لبنانياً، وبالتالي بات ورقة محروقة لا يستطيع "حزب الله" تثميرها، لا بل بات عبئاً على الحزب، خصوصاً بعدما اندفع في مراحل معينة، بدعم النظام إلى درجة لم يحفظ فيها خط الرجعة لا لبنانياً ولا سورياً.
– الثاني، وهو المراهن على أن السقوط الحتمي للنظام، لن يؤدي لبنانياً إلى تغيير في الموازين، إلّا من باب إمكان وضع أولويات للتفاوض على أساسها، والمعني بها تغيير الطائف واشتراط إعادة النظر بحصّة الطائفة الشيعية داخل النظام، وهو خيار يؤسّس لنَبش مرحلة ما قبل الميثاق الجديد، وإعادة صيغة التوافق بين الطوائف إلى نقاش مستوى الصفر.
– أما المسار الثالث الذي يمكن إسباغ صفة الربح الصافي لكل الأطراف عليه، فهو سيكون نتيجة للتيقّن من حتمية سقوط النظام السوري، ومن حتمية التوَصّل إلى صيغة توافق داخلية، برعاية عربية ودولية لا تغيب عنها إيران، تعطي للسلاح مكاناً داخل الدولة يستوطن فيه، وتؤمن عبوراً هادئاً للبنان من أزمة المنطقة إلى سلامه الداخلي المنشود.
ليس سراً أن الكثير من القوى السياسية في الداخل ومن الرعاة الإقليميين، تترقب لحظة آتية بعد سقوط النظام السوري، ستدقّ فيها ساعة الجلوس على طاولة حوار، ليس كالحوار اللاحوار الذي انطلق عقيماً منذ العام 2006. هذه اللحظة تفترض الجهوزية اللازمة، وهي غير متوافرة حالياً في ما يمكن تسميته، إذا وُلِد، بالطرف الشيعي الثالث.
وهي أيضاً لا تبدو موجودة بشكل معلن لدى "حزب الله"، بل تطلّ على شكل إيحاءات غير خجولة من الرئيس نبيه بري، الذي وضع قوى 14 آذار للمرة الثانية منذ العام 2005 أمام مسؤولية جسيمة: إمّا أن تفتح الأبواب معه على مصراعيها، فيؤدي ذلك إلى استدراج لشَكل مكروه من تحالف رباعي لم تمح آثاره بعد، أو أن تحسن إدارة التفاوض انطلاقاً ممّا تملكه من أوراق القوة القديمة منها والمستجدة بعد الثورة السورية.

