«لقد نبه الخبراء ومنذ زمن طويل، إلى هشاشة أنظمة الاستبداد في البلدان العربية، واحتمال نشوب مواجهات ذات طابع اجتماعي وسياسي.» سيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسي.
قد يزعج البعض الموقف الروسي تجاه الأحداث الأخيرة في المنطقة العربية وعلى الأخص تجاه سوريا، وقد يرضي البعض الآخر.
قد تكون مقالة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف التي تم نشرها قبل مدة من الزمن وما تمثله من سياسات روسية نابعة من مواقف مبدئية، وقد تكون نابعة من منطلق مصالح تتدثر برداء أخلاقي، الا انه من المهم اعادة قراءة مقال وزير الخارجية الروسي وملاحظة بعض النقاط المهمة الواردة فيه، وهي نقاط يجب أن تكون موضع اهتمام لدى اطراف الصراع، واصحاب الدماء المسفوكة، قبل ان تكون موضع اهتمام اللاعبين الخارجيين.
يقول لافروف في مقاله «اننا ندرك جيدا ان التحولات الاجتماعية مسار معقد، وطويل عموما، ونادرا ما تحصل بشكل سلس. ومن المرجح ان تعرف روسيا اكثر من غيرها الثمن الواجب دفعه، لكننا ندرك تماما أن التغيرات الثورية، غالبا ما تأتي متزامنة مع انتكاسات اجتماعية واقتصادية، وخسائر في الأرواح، والكثير من الآلام. لهذا السبب دافعنا عن رؤية تطورية سلمية، ترمي الى تنفيذ سلسلة من التغييرات في الشرق الأوسط وشمال افريقيا.»
المقطع الاخير فيه تبرير للموقف الروسي صحيح، لكن ما هو مهم النقطة الواردة فيه بأنه اذا برزت حاجة اجتماعية واقتصادية وسياسية ملحة للتغيير فليكن السعي الى ادراك التغيير مع اقل قدر ممكن من خسائر الارواح وباقل قدر من المعاناة.
ثم ان لافروف يطرح سؤالا مهما يتساءل فيه عن الطريق الواجب اتباعها عندما تأخذ المواجهة بين السلطة والمعارضة شكل مواجهات مسلحة وعنيفة؟ وهذا سؤال مهم لأي دولة تظهر فيها بوادر مواجهة قد تأخذ منحى عنيفا.
يقترح هنا لافروف على اللاعبين الخارجيين أن يوظفوا جل طاقاتهم من أجل وقف نزيف الدم من جهة، ودعم حل توافقي يضم كل اطراف النزاع من جهة ثانية، ويقوم بالتذكير بأنه في ظل العلاقات الدولية المعقدة حاليا، وما شهدته المنطقة من احداث في العراق وافغانستان، فإن محاولة اللجوء للقوة بدعم طرف ضد آخر، لم يعد يحظى بأي فرصة نجاح.
محور آخر هام في كلام وزير الخارجية الروسي، وهو النظرة الى احداث المنطقة بعين واحدة وممكن ببعد عاطفي دعائي فهو يقول في ذلك ان «أزمات المنطقة وخصوصا سوريا ينظر لها من زاوية واحدة أو عين واحدة ولسوء الحظ فإننا نفتقد بشكل ذريع لتحليلات مؤهلة وصادقة لتطورات الأوضاع.»
ويضيف «وفي غالب الأحيان يستعاض عن هذه التحليلات بصور مبسطة وكليشيهات دعائية بالأسود والأبيض.» وهذا للأسف غالب الحال في أزمات المنطقة النظر بعين واحدة، الى درجة كما نوه على ذلك لافروف العمل على حجب فضائيات تنقل صور الاحداث بالعين الأخرى.
وفي نقطة حيوية يجب ان تكون محل اهتمام ابناء المنطقة قبل غيرهم يقول لافروف «سوريا بلد متعدد الطوائف، يعيش فيه المسلمون السنة الى جانب الشيعة والعلويين، اضافة الى المسيحيين الأرثودكس والمذاهب الأخرى منهم، مع الدروز والأكراد.»
ويدعي لافروف انهم عاشوا بهامش من الحرية في المعتقد في سوريا أكثر مما هو متوفر تحت انظمة تدعم التغيير في سوريا، وأيضا اشار الى ان التدخل في الصراع لخدمة اهداف «استراتيجية جيو سياسية اقليمية» لا يخدم الهدف المعلن وهو حماية الابرياء، لا بل كما يذكر الوزير بأن « تأجيج الاضطراب والتحريض على اقتتال السوريين فيما بينهم، من شأنه أن يؤدى الى نشوء تحولات، قد يكون لها تأثير سلبي، ونتائج مدمرة على مساحات واسعة من الأراضي المحيطة بسوريا.»
أليس من الأولى أن تكون هذه المخاطر والنقاط المشار اليها بالمقال محل اهتمام لأطراف النزاع المباشرين، أم ان دخان البنادق وعجاج المعارك حجب الرؤية الثاقبة للبعض؟!
مقال سيرجي لافروف طويل وفيه من النقاط المهمة الكثير، ولا يغني استقراؤه استقراءً للعقلية الخارجية الروسية عن قراءته للمعنيين والتمعن فيه، الا انه يبقى هناك نقطة أخيرة مهمة فيه حين قال «اما من سيحكم سوريا، فلا يبدو هذا الأمر في نظرنا مسألة أساسية، الأولوية في نظرنا هي لوضع حد نهائي لقتل المدنيين، والتأسيس لحوار سياسي في ظل ظروف تأخذ في الحسبان مسألة السيادة، والاستقلال، ووحدة البلاد، التي يجب على جميع الفاعلين الخارجيين احترامها.»
مرة أخرى، وبعيدا عن الرضا أو السخط من روسيا ومواقفها من الازمات العربية حاليا، تبقى مقالة سيرجي لافروف مقالة تحمل نقاطا مهمة جدا، نقاط يجب ان تكون محل اهتمام من اطراف النزاع الداخليين وهم ابناء المنطقة الذين يجب عليهم العناية بها قبل غيرهم من لاعبين خارجيين سواء كانوا من الشرق او الغرب.

