على مَنْ سيقرأ مزاميره؟

فيما تتواصل زجليّات النزال والتحدي، مرفقة بالاشتباكات الصوتية عبْر الفضائيات والأرضيات بين عناتر المرحلة وذوي الأصابع المحشوة باروداً والأصوات التي تقشعر لها الأبدان، يطلُّ على الميدان المفتوح لكل الاحتمالات مجلس التعاون الخليجي ليدلي بدلوه، مناشدا اللبنانيين الممزقة صفوفهم وعقولهم الرأفة ببلدهم والاتعاظ من التجارب المريرة التي لا يزال طعمها تحت أضراسهم.
يعرف مجلس التعاون، وتعرف دوله ويعرف العالم بأسره أن لبنان مفروز، بعمق وحدّة، شعوباً وطوائف وفئات وشتاتا، ومثله مثل أي قطيع نامت عنه نواطيره.
على رغم ذلك، وجد المجتمعون في جدة أن من المستحسن توجيه بعض النصائح التي لن يطْلع عليها الضوء، فناشدوا "جميع الاطراف تغليب المصلحة الوطنية العليا، وتفويت الفرصة على محاولات العبث بأمن لبنان واستقراره وجرّه الى أتون الازمة السورية وتداعياتها".
المصلحة الوطنية العليا؟
الحفاظ على وحدة لبنان وأمنه وسيادته وحريّته؟
الى مَنْ يوجه مجلس التعاون مثل هذه المناشدات؟
الى أية فئة، أية دويلة، أية طائفة، أي حزب، أي مربّع أمني، أي ضاحية؟
الجميع في الشرق والغرب وما بينهما يدركون أن هذا اللبنان، المبتلي بأناس لا يستحقونه، محاصر بالمخاطر والحرائق و"المحبين" من الجهات الخمس لا الأربع. وأية دعسة ناقصة من عناتر الميمنة أو الميسرة ستزجّ لبنان ومنظّريه ومرجعياته وكل هؤلاء الذين يسكرون من زبيبة في ورطة قد يصعب الرجوع منها… بسلامة.
نعم، هناك نصائح وتحذيرات جدّية واتصالات مع البقية الباقية من ذوي الألباب، والالحاح على تفادي البهورات والتحديات، ذلك أن الحديدة حامية… وما في حدا فاضي لحدا.
لكنّ موزعي شهادات الوطنية، وأوسمة البطولة، وتصنيف الناس من منبر هو مصنّف من زمان وعن جدارة، يأبون إلا التوجه الى الخصوم بتهمٍ شتى أخفها وطأة التخوين ومشتقاته.
ومن منطلق فظ يثير الحساسيات، ويعزف على الاوتار التي توقظ الفتنة الجاهزة غبّ الطلب.
وعلى مشارف موعد مع زيارة تاريخية للبابا بينيديكتوس السادس عشر، يبارك خلالها هذا اللبنان التعيس وهؤلاء اللبنانيين المهسترين، ويوجه من أرض أعطاها البابا الراحل يوحنا بولس الثاني صفة الوطن الرسالة عظته الى مسيحيي المشرق الذين عصفت بهم الأحداث وبعثرتهم.
وقد لا يتردد في نصح مسيحيي لبنان بالرأفة بوطنهم، وببذل كل غال ورخيص للحفاظ عليه كما هو، بطوائفه وتعدديته ونظامه وفرادته ونموذجه النادر المتمثل بالعيش المشترك بين ثماني عشرة طائفة موزعة بين مسيحيين ومسلمين ، ومنذ مئات السنين.
إنما على مَنْ سيقرأ قداسة البابا مزاميره؟ 
 

السابق
حوري: المذكرة تتضمن 9 نقاط علاجية سيطلع عليها سليمان
التالي
حان دور الاسد في العملية التفجيرية القادمة