حكم الدول سواء كان على اسس عادلة وحقة أو غير ذلك هو يتكون ويستقر عبر عوامل متعددة، فساعة يأتي بقوة العسكر، وأخرى عبر ثورة شعبية تقود تغيرات تتبنى تغيرات جذرية، أو يكون الحكم عبر تحالف بين قوى متعددة ترتضي من بينها من يتصدى لسدة الحكم، وهناك ملكيات تتنازل تدريجيا عن صلاحياتها في السلطة وتحولها للشعب عبر آليات سياسية متفق عليها، اسس ونظريات كثيرة مختلفة تكون اساسا للحكم او اساسا للتغير.
كيان يحدث فيه انقلاب عسكري، فيضع أسسا جديدة للحكم وقد تجري في هذا الكيان السياسي تغيرات طفيفة او كبيرة في مراكز القوى السياسية والاجتماعية والتجارية والسياسية. كيان آخر يسقط حكما وراثيا ويقوم على اساس ونظرية الحاكم الفقيه، وعلى هذا الاساس يقوم ببناء الدولة، وقد ينجح في تطبيق النظرية او يفشل المهم هو يلغي نظام حكم راسخا مقابل طرح نظرية لها اسسها التي ممكن ان تقوم عليها ادارة دولة، ثم ان النجاح او الفشل في التطبيق، والقدرة الكامنة في نظرية الحكم وقابليتها للتطبيق على ارض الواقع مسألة اخرى. هناك دولة تتكون على اساس تحالف بين الحاكم وبين بعض القوى الدينية، وعلى هذا الاساس يقوم الحكم وتعزز مؤسسات الدولة على نظرية دعم الحاكم لتيار ديني معين، وتطبيق نظرته الدينية باستخدام السلطة التنفيذية للحاكم، في مقابل دعم التيار الديني للحاكم ومؤازرته، هذه نظرية ومثال اخر للحكم.
هنا في الكويت، توجد معارضة لديها طموح كبير للتغيير، ليس واضحا ان كان لها قدرة على ذلك، والاكثر غموضا هو النظرية والاسس التي سيقوم التغيير على اساسها عدا شعارات وعناوين عامة تقوم بطرحها، مثل الاصلاح والعدالة مثلا. المعارضة هنا تبدو وحسب طرحها ان لديها طموحا كبيرا للتغيير، تغيير عالي السقف يتأطر بالدستور ولو نظريا، يشمل رئاسة الحكومة ويتمدد ليشمل اقامة امارة دستورية. ليس من السهل الحديث بأسطر عن هذا الموضوع، ولأصحاب القانون الدستوري باع طويل فيه، لا شك بذلك، وهو كذلك موضوع ذو بعد سياسي بدرجة كبيرة. ولكن هناك نقاط متعددة يجب طرحها على المعارضة وعلى دعاة التغيير الحاليين.
قبل طرح النقاط فليتم تجاوز أي حديث عن الحكم على اساس أن الضمانات الدستورية له موجودة، لكن ليكن التساؤل حول الحكومة الشعبية المتولدة من رحم الامارة الدستورية المقترحة. ما هي نظرية الحكم او اساس الحكم هنا بمعنى ادارة الدولة، لهذه الحكومة الشعبية او رئاسة الوزراء الشعبية المقترحة؟ أي هل ستعكس هذه الحكومة الشعبية وليدة الامارة الدستورية تحالفا بين التجار مثلا وبعض القوى الدينية؟ أم هل هي ستعكس تحالف بعض القوى الدينية مع بعض القوى القبلية، مثلا؟ ثم ما دور الاقليات او الاقلية المذهبية في هذه الحكومة الشعبية المقترحة؟ هل هناك نظرية واسس للحكم الشعبي يدعو لاشراك الاقلية بطريقة تعكس ثقلها التاريخي والثقافي في البلاد، وبطريقة تعكس القيم العليا الدستورية التي تنادي بها المعارضة والتي تدعو الى السواسية والعدالة تحت ظل الوطن؟ ام ان الحكومة الشعبية المقترحة سترحب بمشاركة الاقلية المذهبية بدور «محلل»؟
الوضع الآن ليس مثاليا، وقد يجادل البعض ان الوضع تجاوز اللامثالية بمراحل، بل هو وضع سيئ، لكن طرح كلمات جميلة ولو بنية صادقة مثل عدالة اجتماعية، حكومة شعبية، امارة دستورية، من دون اسس واضحة وممارسات سليمة تحقق هذا الغرض وتعكس رغبة حقيقية للتغيير للافضل، من دون ذلك لا يمكن ان يتم اجراء تغيير جذري في بلد.
كثير من ابناء الشعب كان يعلق آماله على المعارضة طلبا للتغيير نحو الافضل، لكن اطروحات وممارسات بعض من اقطاب المعارضة في مواضيع مهمة تخص السياسة الخارجية للدولة احيانا، والعلاقات بين اطياف المجتمع وما يتعلق فيه من دعائم تعزز السلم الاهلي احيانا اخرى، وممارساتها في ما يخص التسامح الديني المجبول عليه المجتمع تاريخيا، يعكس قصورا واضحا للرؤية من قبل المعارضة بطريقة يجعلها فاقدة لأي نظرية ممكنة للتغيير بجانب عجز موضوعي بقدرتها على التغيير. الآن قد تخطو البلاد ببطء العاجز، لكن هذا أفضل من أن تخطو خطوة واحدة خلف التائه.

