بين دمويّة نظام آل الأسد وشعبيّته

في مطلع رمضان الماضي اجتاحت دبابات النظام البعثي المذهبي مدينة حماة ورابضت في ساحة العاصي. كان ذلك بمثابة تحوّل نوعي في آلية القمع التي اعتمدها هذا النظام بازاء الثورة الشعبية السورية، وهو تحوّل فرضه أساساً عدم استطاعة هذا النظام تحمّل تكرار تلك الصورة الجماهيرية الزاهرة والسلمية كل يوم جمعة، وتيقنه من انه كان بين خيارين: اما اجتياح حماة في بداية رمضان من العام الماضي، واما سقوطه في آخر الشهر.

اختار نظام السفاح الابن اجتياحاً خاطفاً للمدينة التي أباد نظام السفاح الأب عشرات الآلاف من ابنائها. فالنظام ينظر الى نفسه على انه مختلف عن الانظمة العربية الاخرى ولا يمكن ان يحذو حذوها، ولا بدّ له من ان يخوض تجربة قمع الشعب السوري الثائر حتى النهاية. فهو اولاً نظام يزهو بما يعتبره قاعدة شعبية تأمنت له عبر السنين، بمزيج من الولاء والمصلحة والقهر، مزيج لا يمكن حقيقة فصل عناصره عن بعضها البعض بوضوح. وهذه القاعدة الشعبية تتفرّع الى القاعدة الفئوية التي لا ينظر النظام الى نفسه على انه يعبّر عنها فقط، لكنه ينظر اليها كاحتياطي تقليدي "رجعي" لا يشبه الطبيعة الثورية "التقدمية" للنظام البعثي لكنه يمكنه ان ينجد هذا النظام بالعصبية اللازمة أنّى دعت الحاجة، وبعدها قاعدته الحزبية، ليس بالمعنى التنظيمي أو العقائدي فقط، بل أساساً بمعنى جيش من الطحالب والفطريات المنتفعين من بيروقراطية هذا النظام، ثم قاعدة من التحالفات الجهوية والعشائرية والمناطقية على امتداد البلد.

وهو ثانياً نظام يعتبر ان شعبيته هذه من النوع الملتبس الذي يجعلها تستسقي الدّم. فاذا تهاون في القمع انفضّ عنه داعموه، او تفرّقوا في حسابات ورهانات شتى. واذا ما تجاسر، وخاض التجربة الدموية الى الآخر، تمكّن من وضع جميع مكوناته ودعاماته في الاختبار، بل جعل من سفك الدماء سبيلاً للقيادات السفلى للترقي، وبث روح الحيوية والتراص في النظام. الشعبية والدموية والحيوية ثلاثة أمور مترابطة في طريقة تفكير نظام آل الأسد، وهي كلها تنطلق من قناعة بأن للنظام شعبية كبيرة، لكنه يبقى في نهاية المطاف نظام الاقلية في مواجهة الاكثرية، اي نظام مذهبي انما بشكل محدّد: عليه ان يمنع نفسه من الظهور بشكل نافر على انه كذلك، وعليه ان يقمع الاكثرية بالمعنى المذهبي للكلمة من ان تحقق نفسها او ان تتحقق في اكثرية سياسية.

شعبية النظام البعثي المذهبي ليست اذاً من النوع الذي يمكنها من الرد على التظاهرة المعارضة بتظاهرة موالية لانه لو اعتمد على هذا المبدأ لضعفت شعبية النظام نفسه، فزحل قسم منها الى الموقع النقيض او تبخّر القسم الآخر أو فرض تغييراً لرأس النظام نفسه. من هنا يمكن القول ان بشار الاسد فهم طبيعة النظام الذي هو على رأسه بشكل كامل: نظام "شعبي دموي حيوي من موقع الاقلية" بالدرجة الاولى ولمنع تحقق الاكثرية المذهبية من الشعب السوري في اكثرية سياسية، اي بمعنى آخر منعها من تجاوز نفسها الى كتلة وطنية، ومنعها من تنظيم نفسها ككتلة طائفية في آن.
مكّن خيار اجتياح حماة النظام البعثي المذهبي من الاستمرار لعام كامل اضافي وبشكل دموي منقطع النظير وسط شلل فظيع في آليات المجتمع الدولي حيال المسألة السورية. مكنه من الاستمرار لرمضان الحالي. لكنه وبدلا من ان يواجه مليونية في ساحات العاصي صار يترنّح تحت ضربات احدى أهم الثورات في التاريخ الحديث: ثورة لم تنقطع فيها التظاهرات السلمية ليوم واحد، ونجحت في الوقت نفسه في خوض غمار الكفاح المسلّح وبرعت فيه، الى اوسع حد، فوضعت النظام امام مفارقة انه يسيطر على كل شيء ولا شيء في وقت واحد، ثم هزأت من حملات حسمه في بابا عمرو وغيرها، لتصل اليوم الى حرب التحرير الوطنية الشعبية الشاملة، مدعمة بالصيد الثمين للاربعاء الماضي، هذا الصيد الذي يعني ايضا ان بشار الاسد صار قاب الاصطياد او ادنى، وان بازار الانشقاقات النوعية، والمطامع البونابرتية للضباط "الطموحين" قد فتح، في وقت صار الاصرار البشاري على مواصلة سفك الدماء نقيضا لما كان عليه الحال يوم قرّر اجتياح حماة في مطلع رمضان من العام الماضي.

الآن، ما عاد يمكن لدموية النظام ان تعيد انتاج "شعبيته" و"حيويته". صارت على العكس من ذلك تماماً: دموية من لا غد له، ولا حياة. النظام السوري يسقط، يسقط تماماً في هذه الاثناء. التفاصيل الميدانية على الارض تشبه تفاصيل هوليودية في فيلم مطاردة بوليسي يدرك فيه المشاهد وهو في قمة تشوقه وقلقه وعينه على البطل، بأنه فيلم سينتهي بمقتل المجرم وانتصار البطل.
  

السابق
قوة المرأة.. في لسانها
التالي
ميدالية ذهبية للبناني سيلفيو شيحا