ليس التوتر الذي يشهده تفاهم 6 شباط، الذي غيّر المعادلات الداخلية وتحكّم بها في السنوات الست الماضية، أمراً عابراً. فمن يعرف العماد ميشال عون جيداً، يعلم أن ما يبدأه على سبيل المناورة ينهيه في تموضع استراتيجيّ آخر
لا يمكن عونياً فصل يوم 6 شباط 2006 عن 5 شباط 2006. في القاموس العونيّ ونقاشات الغرف المقفلة، أظهر الإسلاميون السنّة وجههم الحقيقيّ في لحظة غضبهم تلك، وأثبتوا أن لا تحالف القوات ــ الحريري يردعهم عن صبّ جمر غضبهم على الكنائس ولا القوى الأمنية. لعل العماد ميشال عون لا يفكر بهذه الطريقة، لكن في التيار، نادراً ما توقف الأنصار عند مضمون التفاهم: نظر إلى اجتماع مار مخايل بوصفه شراكة مع طائفة قادرة على حماية المسيحيين من طائفة أخرى في حال تمادي بعض موتوريها بالجنون، كما يحصل اليوم في عكار وطرابلس وصيدا، وإلى أن التفاهم قادر على تعزيز مسعى التيار الوطني الحر «للحدّ من الهيمنة السنية ــ الجنبلاطية وحتى الشيعية في إدارة الدولة». ومنذ 6 شباط 2006 هناك وسط النخب المسيحية من يقول صراحة إن الانقسام المسيحي في هذه المرحلة ضروري؛ فـ«تفاهم القوات مع المستقبل يحمي المسيحيين من «شرِّ» بعض السنّة، وتفاهم العونيين مع حزب الله يحمي المسيحيين من «شرِّ» بعض الشيعة».
ما لم يفعله التفاهم
هذا ما بدأ في 6 شباط. كان يفترض بلقاء مار مخايل أن يستكمل على خمسة صعد: سياسياً، يحاط التفاهم بمجموعة تفاهمات مكتوبة أخرى مع كل من يعنيه الانتقال إلى ما يصفه عون بالدولة القوية، وهو ما اضطر التيار الوطني الحر إلى أن يبدأه وحده لاحقاً مع التنظيم الشعبي الناصريّ. شعبياً، تتجاوز الراحة النفسية خط الحدث ــ مار مخايل لتشمل مناطق أخرى. حزبياً، تتوثق الروابط بين الناشطين (لا مسؤوليهم فقط) في التيار والحزب. نيابياً، تنبثق من كتلتي الوفاء للمقاومة والتغيير والإصلاح لجان تتابع جدياً تنفيذ مشاريع القوانين التي يتقدم بها هذا الطرف أو ذلك. ووزارياً يفعل التنسيق لتحقيق الروزنامة المشتركة التي كان يفترض بالطرفين أن يعداها. لكن لم يحصل شيء من ذلك. كل ما حصل كان بضع جولات «تثقيفية» للوزير جبران باسيل وغالب أبو زينب تشرح لبعض البلدات مضمون التفاهم، و… حرب تموز. انتهى في تلك الحرب التفاهم بمعناه الورقيّ: بات تفاهماً عاطفياً أكثر منه سياسيّاً أو مصلحياً.
نتيجة الست سنوات سلبية
مقارنة 13 تموز 2012 بـ13 تموز 2006 تظهر الآتي:
أولاً، أشد العونيين تحفظاً على التفاهم قبل ست سنوات مثل النواب إبراهيم كنعان وآلان عون وسيمون أبي رميا وفريد الخازن وزياد أسود وبعض الآخرين، باتوا أشد العونيين تمسكاً بمبدأ التفاهم ودفاعاً عنه وإيماناً بقدرته على اجتراح الأعاجيب، لو يحسن الطرفان إدارته. وفي المقابل أكثر العونيين رهاناً على ذلك التفاهم يومها مثل العماد ميشال عون نفسه والقياديّ العونيّ زياد عبس وآخرين باتوا أكثر المؤمنين بوجوب تقويم ما حققه التفاهم الورقي السابق وتحديد نقاط مشتركة جديدة تتيح للتفاهم مواكبة المرحلة. ويقول هؤلاء إن بنود ذلك التفاهم باتت «ديمودي». فيما لا يحب عون التفاهمات الشفهية، بطبيعته يفضل الاتفاقات المكتوبة.
ثانياً، في ظل المتغيرات الإقليمية واكتفاء حزب الله بمراقبة استفحال الظواهر السلفية شمالاً جنوباً وبيروتياً، تراجعت الثقة الشعبية العونية الجارفة بالتفاهم بوصفه تحالفاً مع الفريق الأقدر على الدفاع عن المسيحيين. ففي تموز 2006، كان الحزب حليفاً يخشى منه، أما في تموز 2013 فهو في نظر عونيين كثر «حليف يخشى عليه».
ثالثاً، في تموز 2006، كان التحالف ممراً يتيح للعونيين الخروج من العزلة التي فرضت عليهم باتجاه سوريا وجمهور العالم العربي والدبلوماسية الغربية، أما اليوم «فغدا التحالف مبرر عزلتنا».
هذا غيض من فيض العونيين. ينبّه أحد مسؤوليهم إلى وجوب عدم تضييع البوصلة في رأس الجمهور. نعم ثمة تغييرات كبيرة في المنطقة تشغل حزب الله، لكن كما في مواجهته الحرب الإسرائيلية قبل ست سنوات وجد الوقت ليشرح لحلفائه العناوين العريضة لخطة مواجهته، يتعين عليه إيجاد الوقت والثقة ليشرح لحلفائه العناوين العريضة لخطة مواجهته، آخذاً في الاعتبار أن ظهوره في عدة استحقاقات مربكاً يربك جمهور حليفه ويزيد قلقه قلقاً. فإما يقنعهم بخطته أو لا. ونعم ثمة توازنات داخلية يجب على الحزب الرقص وسط ألغامها، لكن يمكنه المجيء بورقة يكتب عليها ما يستطيع فعله إكراماً للدولة والمؤسسات والحلم العوني بالدولة القوية، وما لا يستطيعه إكراماً للحساسية الشيعية ــ السنية واسقرار البيت الشيعي الداخلي ومعنويات الرئيس نجيب ميقاتي.
في البنية الصلبة التي تأسس عليها التيار الوطني الحر، ثمة مجموعة من الشباب ترى وجوب الجد في العمل لتحقيق أهدافها من دون التسمر في التقاطعات التي تصادفهم في الطريق. هدف هؤلاء المعلن هو بناء دولة قوية. في طريقهم لتحقيق هدفهم المعلن، سبق أن تقاطعوا مع الولايات المتحدة في القرار 1559 ومع شركاء آخرين في يوم 14 آذار 2005، ولاحقاً تقاطعوا مع النظام السوري على بعض العناوين، وتقاطعوا أيضاً مع حزب الله على عناوين أخرى، واليوم تقاطعوا في قضية صغيرة جداً مع خصومهم المفترضين. المهم بالنسبة إليهم أن يفهم الحزب أن هدفهم هو الفوز بـ«الدولة القوية» ويتفهمهم، «فإما يسير معنا باتجاهها أو يبقى في النقطة التي تقاطع معنا فوقها ونكمل نحن طريقنا».

