كأنّها آخر أوراقه. يرميها على الطاولة كما هي ويراهن على انقلاب الدنيا والموازين وخريطة الأرض ودبيب الثورة وأهلها باتجاه ركنه الدمشقي الحصين.
يردّ بشار الأسد بالنار والإعلام والسياسة (!) على مؤتمرَي جنيف للمعارضة وباريس لأصدقاء سوريا.. وعلى النتائج الأولية التي تمخّض عنها الحراك الدولي باتجاه روسيا والذي أثمر مبدئياً قناعة لدى موسكو باستحالة بقائه في السلطة، ما يعني ردّ الاعتبار إلى المفردة الأولى التي تقول إنّ المفاوضات الإقليمية الدولية الجارية منذ أشهر، لا تتعلق بماضي سوريا ولا بحاضرها وإنما بمستقبلها، أي بمرحلة ما بعد الأسد ليس إلاّ!
يعرف صاحب الشأن ذلك جيداً ويحاول مجدداً وقف مسار التاريخ وتعطيل حركته. حاول ذلك على مدى الأشهر الـ16 الماضية. لم يترك وسيلة إلاّ واعتمدها، وعنفاً إلاّ ومارسه، ومجزرة إلا وارتكبها، ومدفعاً إلا وأطلقه، ورصاصاً إلاّ ووزعه على أهل سوريا الأحرار، ومع ذلك لم يحصد إلا الريح والوهم. ويحاول راهناً بوتيرة أكثر صخباً من المرحلة السابقة، تجربة حظّه. يصعّد من وتائر الهجوم الميداني شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، ويصعّد من هجومه الإعلامي عبر سلسلة مقابلات تعدّ مثالاً يُدرَّس في فن المكابرة والنكران والعيش خارج الزمن، ثم يوظّف معطيات خارجية، جديدة قديمة في سياق هجومه الشامل ذاك.
.. يتلقف زيارة كوفي أنان "المفاجئة". ويوزع بعدها كلاماً عن مبادرة جديدة تقوم على خفض وتيرة العنف وانسحابات متبادلة من المناطق المأهولة!.. يشتري الوقت ويفترض أن الموفد العربي الدولي يحمل ترياقاً لمرضه، فيما هذا الأخير بالكاد أن يتمكن من حمل مهمّته من دون أن يشطّ ألف مرّة في اليوم الواحد، ومن دون أن يحطّم "بعظمة لسانه" مصداقيته الثمينة أمام السوريين والعرب والمجتمع الدولي الذي وظّفه وندم!
.. ويتلقف بعد ذلك، أنباء "سارّة" عن موقف روسي عملي يناقض في المحصّلة التكتية الكلام السياسي الجدّي عن مصيره الأخير: يطير عبر العالم خبر إبحار سفن حربية روسية إلى ميناء طرطوس (؟) وكأنّ تلك آتية لإشعال حرب عالمية من أجله، وليست آتية لتدعيم موقف قيادتها في بازار التفاوض المفتوح عليه وعلى سوريا ومصيرها!!
ويُقال، إنّ هجومه الحالي هو سباق وقائي مع.. شهر رمضان المبارك! ومع احتمال شنّ المعارضة المسلّحة هجمات كبيرة ومؤثرة في عقر دار سلطته، عدا عن وظيفته الأولى كبيان ميداني دموي يردّ من خلاله على مؤتمرَي جنيف وباريس، ويؤكد للروس أنّه لا يزال يملك زمام المبادرة!
.. مصيبته التامة أنه صار يبدو كالخشب. سياساته ومقابلاته وإعلامه وتبريراته ومقارناته لا تشبه عالم الأحياء في شيء، بل هي خشبية ويابسة. لا طراوة الرزانة والواقعية تلطشها وتلطفها، ولا حركة الميدان ترفدها بشيء من النداوة وتخفّف من يباسها. ومع ذلك، فإنّ مصيبته تلك، كانت لتهون لو لم تكن الجذر الذي تتفرع منه مصائب سوريا وشعبها المنكوب!

