حتى الان اتسم رد الفعل الرسمي الشيعي على ظاهرة الشيخ الصيداوي احمد الأسير بقدر غير مألوف من التروي والتعقل، لو جرى اعتماده في مواجهة الكثير من التحديات التي واجهتها الطائفة الشيعية خلال السنوات الثماني الماضية، لكان يمكن تجنيب البلد الكثير من الأزمات والتوترات.
وفي تفسير هذا التعقل المفاجئ، يمكن الزعم ان ثمة تغييرا جذريا في سلوك الشيعة، تجاه واحدة من أقسى حالات التطرف المذهبي التي قدمها السنة، يمكن ان يعزى الى الحرص على عاصمة الجنوب ومعبره الوحيد ومحور «امنه القومي» كما يمكن ان ينسب الى إحساس عام بان الزمن الشيعي الذي ساد منذ ما قبل دخول الجيش السوري الى لبنان في صيف العام 1976 يوشك على الأفول، ويستدعي مقاربة شيعية جديدة للعلاقة مع بقية الطوائف اللبنانية، واهمها الطائفة السنية التي كانت ولا تزال هدف الشيعة ومجال تصويبهم.
ومن شأن هذا السلوك الاستثنائي ان يخفف من الخسائر والأضرار الفادحة التي ستلحق بالطائفة الشيعية بعد سقوط النظام السوري، الذي كان مصدر تسليحها وتقويتها على بقية الطوائف، ويؤسس بالفعل لمصالحة جديدة بين اتباع المذهبين الإسلاميين الأشد قلقا والاكثر تهديدا للاستقرار الوطني في المرحلة المقبلة.
وهي مصالحة ممكنة في ضوء ظاهرة الشيخ الأسير نفسها التي يغلب عليها الطابع الكاريكاتوري، والتي استمدت جزءا كبيرا من خطابها وسلوكها من التجربة الشيعية بالذات، لكنها لا تزال قاصرة عن استقطاب جمهور سني او حتى صيداوي واسع، يخرجها من مأزق التمثيل، ويخدم مسعاها المتعثر حتى الان لتقديم أوراق اعتمادها الى الخارج واستدراج الدعم الخليجي الذي كانت ولا تزال تطمح إليه بإلحاح، لكنها لم تتلقاه وربما لن تتلقاه.
ما زال الجمهور السني والصيداوي خاصة، يدرج ظاهرة الاسير في سياق هزلي ويرى انها مجرد انعكاس عابر لفراغ سياسي عام، يمكن ان تسهم في تحطيم القداسة المكتسبة للزعامات الشيعية السياسية والدينية وتعيد تلك الزعامات الى أرض الواقع، لكنها لا يمكن ان تنتج حالة سياسية جدية، تستطيع ان تنافس التيارات والزعامات السنية السياسية والدينية، سواء في صيدا او خارجها.
ولعل هذه الظاهرة الخرقاء والمعزولة حتى في محيطها المباشر، تقدم دليلا ملموسا على ان البيئة السنية اللبنانية لا تزال عصية، حتى الان على الاقل، على الاختراقات الاسلامية المتشددة، على الرغم من الإغراءات الشديدة التي تتلقاها من الاشقاء العرب الذين يعيدون اليوم اكتشاف الاسلام السياسي ويختبرون دوره في تشكيل مجتمعاتهم ومؤسساتهم الحاكمة.
عندما يصبح الشيعة اقل توترا، ويعبر السنة عن توترهم بواسطة الشيخ الاسير، يتراجع الخوف من الفتنة المذهبية.. لكنه لا يزول نهائيا.

