في الوظيفة الإسرائيلية

لا سقف يحدّ تهافت السلطة السورية وسعيها إلى البقاء في مكانها والهرب من استحقاق سقوطها الأخير. لا في السياسة أو ما تبقّى منها، ولا في الإمعان والإيغال في سفك الدم وهدر الأرواح وتحطيم البُنى التحتية والفوقية للمدن والبلدات والقرى المحسوبة على الحرية والمطالبين بها.
بعد رامي مخلوف و"مطالعته" الشهيرة عند بدء الثورة، عن مخاطر سقوط نظام بشار الأسد على إسرائيل وأمنها، أطلّت الوزيرة بثينة شعبان من موسكو بالأمس لتقول بدورها إنّ ما يجري في سوريا لا يخدم السوريين ولا العرب.. ولا إسرائيل!
هكذا إذن. صارت "خدمة" إسرائيل عنواناً علنياً لسلطة بشار الأسد. ولم يعد مُحرَجاً بالنسبة إليه وإلى الناطقة بلسانه، إعلان ذلك والقول بوضوح إنّ التركيبة الفئوية الحاكمة والمتهالكة في دمشق لا تزال قادرة على تسويق واحدة من أهم وأخطر وظائفها على الاطلاق: وظيفة السهر على إبقاء الحدود السورية الإسرائيلية هادئة ونائمة نومة أهل الكهف.. تقول ذلك بالفم الملآن وعلى الملأ بعد أن يَئِسَ أربابها من أي مردود إيجابي لسياسة الهمس بذلك، والتذكير به، ودعوة الحليف الروسي إلى التشديد عليه في مفاوضاته ومحادثاته مع الأميركيين والأوروبيين والإسرائيليين!
وفي الحقيقة وأخواتها وأبنائها، فإنّ ما قالته شعبان فاجأ ويفاجئ حتى أولئك المتابعين والعارفين والعالِمين بالوظيفة الإسرائيلية للنظام السوري.. وجلّهم لم يكن يتوقع أن يصل التهافت الأسدي إلى حدّ كشف المستور بتلك الطريقة الطنّانة الرنّانة، والخروج بالتالي، عن لائحة المصطلحات والتركيبات اللغوية الخاصة بالمقاومة والممانعة وما تناسل وتفرّع عنهما، والتي كانت زبدة الأداء ولبّ السياسة والخيمة العريضة التي تُغطّي تحتها كل وظيفة فعلية لذلك النظام، وفي أوّلها ورأسها وظيفة "حماية الجولان من المقاومة" وحماية الاحتلال الإسرائيلي من أي إزعاج!
وما قالته شعبان، عدا ذلك، يعكس عدم أخذ سلطة الأسد في الاعتبار بعد اليوم، أوضاع حلفائها "المقاوِمين" من لبنان إلى طهران. ولا احتمالات إصابتهم بحرج ما، لا أمام جمهورهم ولا أمام ذواتهم. وكأنّ في ذلك رسالة مكتوبة بحبر يقين تلك السلطة، تفيد أنّ هؤلاء الحلفاء غير قادرين على تأمين الدعم الكافي لها، وأنّ خطابهم في هذه اللحظات المصيرية والحرجة يا اخوان، لم يعد كافياً لردّ الناس إلى بيوتها ولمنعها من المطالبة بحرّيتها وحقوقها، وبإعادة سوريا إلى أهلها وعروبتها!
وافتراض حرج الحلفاء أمام كلام الوظيفة الإسرائيلية للسلطة الاسدية، فيه تسليف حسن نيّة مسبق: فلنصدّق (!) أنّ هؤلاء الحلفاء إنّما يدافعون عن تلك السلطة لاعتبارات لها علاقة بقصّة المقاومة والممانعة، وليس انطلاقاً من معطيات فئوية مذهبية واضحة؟! ولنصدّق بعد ذلك (!) أنّهم لم يشاهدوا على مدى أربعين عاماً من الاحتلال الإسرائيلي للجولان، ذلك الهدوء النفناف والأثيري المخيّم على روابي تلك الجبهة! ولنفترض بالتالي أنّ الكشف البثيني الأسدي عن مدى الحرص على "خدمة" إسرائيل، قد أصابهم أو يصيبهم بحرج ما!
على أي حال، يفيد التذكير مرّة أخرى، انّ أوراق الاعتماد التي تقدّمها السلطة الاسدية للإسرائيليين اليوم، تشبه تلك القشّة التي ظنّ المشرف على الغرق انّها خشبة خلاصه… 
 

السابق
حكومة نتانياهو متهمة
التالي
أجمل تحيّة في عيدك.. مننا ومن أمك بابل