خلط الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله أوراق الحوار الذي دعا إليه الرئيس ميشال سليمان في 11 أيار الجاري، بطرحه فكرة «مؤتمر تأسيسي أو مجلس خبراء جديد» تناقش في إطاره فكرة الدولة وطريقة تأسيسها، مروراً باتفاق الطائف وما لم ينفذ منه، وكذلك العلمنة، وصولاً ربما إلى «عقد اجتماعي جديد»، من النوع الذي يطالب به البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.
وبدا نصرالله، في دعوته إلى المؤتمر الوطني، قريباً من منطق البطريرك الماروني، ومتجاوزاً الحدود التي رسمها الرئيس ميشال سليمان في برنامج الحوار، إذ حصرها بموضوع السلاح الذي يكاد يشكّل مادة لمواجهة مذهبية إسلامية بين «حزب الله» و«تيار المستقبل»، وما تثيره هذه المواجهة من نعرات طائفية من شأنها تعكير الوحدة الوطنية وتهديد السلم الأهلي.
وسبق للبطريرك الراعي ان دعا أكثر من مرة إلى إعادة النظر في اتفاق الطائف، مؤكداً انه «ليس مُنزلاً، وقد قبلناه جميعاً، لكن فيه ثغرا تحتاج إلى إصلاح».
وكان البطريرك أطلق على حبريته شعار «شراكة ومحبة»، إدراكاً منه ما يشكو منه المسيحيون بعد الطائف، وهو انعدام الشراكة التي ارتضوها في مقابل تخلي رئيس الجمهورية عن صلاحياته وامتيازاته كرأس للسلطة الإجرائية التي نقلها الطائف إلى مجلس الوزراء.
وهو نظر إلى الطريقة التي طُبّقت بها المشاركة في مجلس الوزراء، على أنها «اختزال، لا مشاركة». وأضاف: «فبدلا من أن يكون مجلس الوزراء هو الذي يحكم، أصبح رئيس الحكومة هو الذي يحكم». وقال: ان الخطيئة الأصلية هي قانون الانتخاب، إذ لا يجوز أن نضع قوانين انتخابية على قياس الزعماء».
ويلاقي الراعي نصرالله في منتصف الطريق عندما يشدد على ضرورة بناء «دولة واحدة يحكمها القانون وليس المزاج الشخصي»، مبدياً قنوطه من الحروب وحمل السلاح «فنحن نتقاتل منذ ثلاثين سنة، ويجب ان نرتاح».
ولقد كانت دعوة نصرالله إلى «مؤتمر تأسيسي» مدار تعليقات شتى بين مؤيد ومعارض، إلا أن ما لم تظهره ردود الفعل هو أن التكوين الطائفي والاثني والاجتماعي للبنان يتطلب منه استثماراً واسعاً للوقت، إذا ما سعى زعماؤه إلى تحويل هذا الموزاييك الى شعب موحد تحكمه دولة واحدة. وهذا ليس بالأمر السهل. ذلك أن فكرة الدولة عموماً، خصوصاً بالنسبة إلى المسيحيين، كذلك فكرة الدولة المدنية بالنسبة إلى المسلمين، هما جديدتان على الطرفين. ويقول أحد كبار المفكرين الموارنة، وهو الأب يواكيم مبارك، في «الخماسية المارونية»، ان الموارنة «المجبرين على ان يكون لهم شريك غير مسيحي، لا يتوجهون إلى أوروبا إلا من أجل ان يتعزز قيام حكم ذاتي في الشرق، ليس مارونياً، بل وطني». ويضيف: «ان التقليد الماروني الذي لا يتزعزع هو الحكم الذاتي، والعيش المشترك، وهو نقيض المشروع الصهيوني».
وأكد النائب وليد جنبلاط، زعيم الطائفة الشريكة للموارنة في الجبل، هذا الواقع في الكلمة التي ألقاها الأسبوع الماضي في عشاء جمعية متخرجي الجامعة الأميركية في الكويت: «نقول (نقلاً عن السلطان سليم الأول العثماني) لاحرار جبل لبنان: تستطيعون إدارة شؤونكم بأنفسكم، لكن إياكم التهرب من دفع الخراج».
من هنا، نحن أمام مرحلة انتقالية، من الحكم الذاتي، أي حكم أهل الطوائف لأنفسهم والذي انتقل من المتصرفية إلى الانتداب الفرنسي، فاستقلال الدولة في العام 1943… وقوفاً على باب دولة الاستقلال التي لم تختمر بعد فكرتها في الرؤوس، كما لم يمر بعد الوقت الكافي على المكونات اللبنانية المختلفة لإنتاج متحد اجتماعي قادر على التعبير عن نفسه بصيغة دولة واحدة موحّدة، شعبها واحد، وجيشها واحد، وإدارتها واحدة، ومدرستها واحدة موحّدة… وعدوها واحد!
وما عبّر عنه البطريرك الماروني بشعاره «الشراكة» ثم دعوته إلى «عقد اجتماعي جديد»، يعكس امتعاضاً من إنكار بعض الشركاء الدور المسيحي في صنع القرار، كما في الحوار الحقيقي والحلول، بحيث بدا كل صراع داخلي صراعاً مذهبياً سنياً ـ شيعياً، لا مجال فيه للدور المسيحي المصلح. وأي انتقاد مسيحي لمسؤول مسلم، وخصوصاً إذا كان سنياً، يُعتبر انتقاداً لطائفته. وهكذا جرى تغييب الدور المسيحي، الذي طالما كان الجسر بين الطرفين، والضامن للوفاق والتلاقي.
من هنا، توقف السيد نصرالله عند حيرة اللبنانيين حيال الاتجاه الذي ينبغي السير فيه للوصول إلى الدولة القومية القادرة والعادلة بقوله: «هناك من يتكلم على الطائف وتنفيذه. وهناك من يقول بتطويره. وهناك من يقول بالعلمنة. وهناك من يقول بإلغاء الطائفية السياسية. وهناك من يقول بالتوافق على عقد اجتماعي جديد»، متسائلاً: «فما المشكلة إذا كان هناك مؤتمر تأسيس وحوار كيف نبني دولة؟».
وهذا يذكرنا بقصة «أليس في بلاد العجائب». إذ تهيم الفتاة على وجهها في الغابة باحثة عن مخرج، فتصادف هرة فتسألها عن طريق الخروج. فتجيبها الهرة: هناك مخارج كثيرة، والمهم ان تقرري أنتِ الاتجاه الذي ستسلكين بعد الخروج!

