مع الحوار بالمطلق. ولا يجوز لأحد او لأي فريق رفض الحوار، لأن نقضه هو إعلان الحرب. الحرب، التي تحاصرنا بشائرها باستمرار، وتظهر بوادرها في طرابلس الفيحاء، وتغذيها تصريحات القريبين والبعيدين، وكلهم غيارى على مصلحتنا، وعلى ألا ننزلق الى حرب اهلية، وطائفية، جديدة، لكنهم لا يبذلون الجهود الكافية لتجنيبنا الكأس المرة التي عرفناها مراراً. ومعهم نمضي نحن في حروبنا العبثية الصغيرة وقوداً للصراعات الكبيرة.
والدعوة الى الحوار من رئيس البلاد لها نكهة خاصة، مختلفة عن تلك الصادرة عن رئاسة ثانية او ثالثة، وتختلف تماماً عن دعوة يطلقها الامين العام لـ "حزب الله" او اي مسؤول سياسي آخر، لأنها، وان كانت في اساسها صحيحة او واقعية ومنطقية، تحتمل ابعاداً كثيرة في مضمونها، وخصوصاً في توقيتها. للافادة من فرص آنية، ولتمرير وقت ضائع .
لكن الحوار يبقى فارغاً وغير منتج اذا لم يتفق المتحاورون على برنامج عمل ويعلنون للملأ التزامهم الكامل مقررات الحوار، وأن يعلن "حزب الله" رؤيته للاستراتيجية الدفاعية ومن ضمنها السلاح، فيصير طرح موضوع السلاح على الطاولة ممكناً، ويشمل كل الاطراف والاسلحة.
قد تنطلق طاولة الحوار، وتشارك قوى 14 آذار، بطلب سعودي – خليجي يدفع في هذا الاتجاه لتخفيف الاحتقان وتجنب بعض المواجهات اللاطائل منها. لكن الحقيقة ستكون اسوأ مما كانت قبل الحوار، اذا ما تبين ان اطرافاً تريده لإضاعة الوقت، وإمرار المرحلة بأقل خسائر ممكنة، في انتظار ما ستؤول اليه الامور في سوريا، او لتعرية الآخر قبل الوصول الى الانتخابات النيابية المقبلة. اما عدم اعلان "حزب الله" رؤيته لموضوع السلاح، فيؤكد عدم مضيه بالاستراتيجية الدفاعية التي علق الحوار عندها، ويؤكد تالياً ان السلاح ليس اداة لبنانية في مواجهة اسرائيل فحسب، بل اداة اقليمية تتمسك بها ايران، ومعها سوريا، وهو ورقة شيعية في مواجهة الصحوة السنيّة المتجددة في المنطقة، والتي صارت تتزود السلاح بحجة مواجهة ما تسميه "حزب السلاح".
لقد نشأت اليوم معادلة سلاح جديدة، في لبنان وفي كل المنطقة المحيطة، والتعامل معها سيكون اكثر تعقيداً، والفرصة المتاحة لتجنب الانزلاق اللبناني هي الحوار الذي دعا اليه الرئيس ميشال سليمان، ونجاحه معقود للامين العام لـ "حزب الله"، الذي لن تصدق نيته في الدعوة الى مؤتمر تأسيسي جديد اذا لم يبادر الى التزام المقررات السابقة للحوار الوطني، وتقديم رؤية للاستراتيجية الدفاعية لأن عدم قبوله بالممكن المتاح حالياً، يضع اللبنانيين امام احتمالين كلاهما قاتل: الانزلاق الى الحرب سريعاً، او القبول بتأسيس جديد للبنان يقوم على المثالثة، وربما على اكثر، مما سيدفع ايضاً الى الحرب، ولكن بعد حين.

