لا بدّ من الملاحظة أن خطة تصدير الأزمة السورية إلى طرابلس وكل لبنان بدأت تحقق نتائج ملموسة، خصوصاً بعد حادثة عكار التي لا تخرج على هذا المسلسل المشبوه، الذي يريد أن يضع الجيش اللبناني في قلب الفتنة.
بعد تحييد الجيش في طرابلس بعدم إقحامه في ملف اعتقال شادي المولوي الذي استكمل باعتقال المواطن القطري عبد العزيز عطية وإخلاء سبيله فيما بعد، لخلوّ ملفه من أي أدلة حقيقية تؤكد انتماءه إلى تنظيم القاعدة.
في بعض تفاصيل ما حصل بالنسبة إلى المولوي والعطية، كما تقول أوساط أمنية مطلعة، إن ملفاً مركباً من دون إتقان قد تمّ إعداده على عجل ليتم تظهير صورة قاعديّة في طرابلس تتشابك معها صورة أخرى لتورّط خليجي مزعوم في هذا النشاط، وذلك عبر اعتقال العطية الذي يرتبط بنسب قريب جداً من وزير الطاقة القطري، والذي يعني اعتقاله بتهمة الانتساب الى "القاعدة" أنّ قطر بأميرها وقيادتها متورطة بإدخال "القاعدة" إلى لبنان، ولهذا السبب كان الردّ القطري عنيفاً وسريعاً، ليس فقط لأنّ العطية قريب لأحد الوزراء الأساسيين في قطر، وليس لأن تهمته الوحيدة كانت التبرع للعائلات السورية النازحة بمبلغ 4000 دولار أميركي كما اثبت التحقيق، وليس لأن التهمة الأقرب إلى الخيال لم تراع التناقض المتمثل بأن منتمياً الى القاعدة لا يحتاج الى المجيء الى بيروت وإجراء عملية زرع كلية ليموّل نشاط القاعدة، بل لأن الاعتقال شكل نذيراً بإمكان تحول الرعايا القطريين والخليجيين عموماً الى رهائن محتملين للتفاوض مستقبلاً، ومحاولة تغيير المواقف الخليجية والسعودية، والقطرية تحديداً، هذا علماً بأن حادثة سابقة كانت قد حصلت، وأشار اليها السفير السعودي في بيروت، وتحدثت عن خطف رعايا سعوديين، وعن مسؤولية لدولة عربية في عملية الخطف.
أما في ملف الأردني الذي احضِر من طهران الى سوريا فلبنان، فلم يكن التحقيق اكثر وضوحاً في إثبات علاقته بالمولوي، خصوصاً أنه عجز عن تذكر وجود إعاقة واضحة يعانيها المولوي في يده كما قال محامي الاخير، وهذا ما ثبت أيضاً في التحقيق.
بناء على كل ما حصل، فإن الملف الذي حاول النظام السوري تعميمه حول وجود القاعدة في لبنان، هذا الملف الذي ظهر على شكل معلومات جاهزة أوردها سفير سوريا لدى الامم المتحدة بشار الجعفري، لم يكن سوى حلقة من اتجاه أراد النظام فرضه بالقوة والفتنة وبضَخّ حملات إعلامية مبرمجة، وبدأت بعد أيام تعاني التصدع، نظراً الى أن كل ما تمّ تظهيره من دور لـ"القاعدة" في لبنان، لم يكن أكثر من تضخيم مقصود، يحمل في طياته فبركات على منوال ما تضمّنه المؤتمر الصحافي الشهير لـ وليد المعلم، وتبين هذا الواقع على حقيقته بعد النفي الأميركي للتعاون المعلوماتي في القبض على المولوي، وبعد اضطرار رئيس الحكومة الذي حوصر بمعادلة النأي بالنفس، الى الرد على كلام الجعفري، وبعد تبيان اختلاق الجعفري لمعلومة وجود قائد الجيش الحر رياض الأسعد في الشمال.
بعد هذا المسلسل المستمر الذي يهدف الى شيطنة طائفة بكاملها وإلى تصوير منطقة الشمال على انها مأوى للإرهاب، هل بات يمكن الكلام على نجاح النظام السوري بتصدير أزمته الى لبنان؟
الأرجح ان هذا التصدير أخذ دفعاً قوياً بعد حادثة عكار بالأمس، التي اريد منها وضع المؤسسة العسكرية في موقع صعب، كأنها اصبحت في مواجهة طائفة أو منطقة، ولا يستبعد أنه كلما اشتدت الثورة السورية في الداخل وكلما بات صعباً على النظام إخمادها، وكلما اقتربت مبادرة أنان من لحظة الحقيقة، يتمّ تسعير جهود الفوضى في الداخل، وعندها سيكون أمام "حزب الله" خيار الذهاب الى الفوضى الشاملة، أو العودة الى الوراء قليلاً لمنع الاندفاع السوري السريع الى إشعال حرب أهلية.

