في الماضي الراهن!

لا تظلم "الحالة" العونية إلاّ جمهورها ومناصريها وروّادها. ولا تعدهم بشيء بقدر ما تعدهم بالعبث (المدرار لغضب الجنرال) وبالعدم المدرار لغضب باقي مكوّنات الاجتماع اللبناني.
خطاب النبش والبحش والفحش الذي أطلقه جنرال العبث لا يعني إلاّ تأكيد الأحكام التي أُطلقت سابقاً وتُطلق راهناً وستُطلق لاحقاً، على تلك "الحالة" التي لا تملك شيئاً للحاضر والآتي، فتؤثر الإقامة في الماضي وتنتشي بخبلها!
وذلك الماضي ألعن من الحاضر وأسوأ، والعودة إليه في كل مرة، تعني أيضاً، في ما تعنيه، تأكيد الإفلاس السياسي لصاحبه (إنسَ الأخلاقي!) والعجز عن إنتاج معطى تُبنى عليه مواقف وسياسات وبرامج ومدوّنات وسلوكيات تحاكي اللحظة الراهنة وضروراتها وأسئلتها وأجوبتها.

الصراخ ليس برنامج عمل. والكيد الأعمى ليس تثقيفاً رصيناً. والعمل في المقابر يختلف عن العمل في المنابر. والعودة الدائمة الى الوراء ليست إلاّ تشريعاً مُحكماً لغيبوبة ذهنية حاضرة دائماً، يظنها صاحبها فرادة واستثناء، فيما هي نمط مألوف لمن يعيش في أوهامه ويتغرّب عن واقعه، ويروح في الوهم حتى يركب هذا في رأسه بالمقلوب ولا يعود يرى أي شيء في هذه الدنيا إلاّ بالمقلوب!

وفي ذلك مرض فتّاك لا يُعالج. واستعصاء مقفل لا حلّ له. لكن فيه، فوق ذلك، ما هو أخطر من العصب التالف والوهم المنتشي: فيه نَفَسٌ تدميري للذات وللآخرين.. وخطورة "الحالة" التي نحن في صددها وصدّها، هي أن صاحبها يريد لسامعيه أن يتماهوا معه، ولمن هم في مرمى نوبته أن "يتجاوبوا" معها بطريقة مماثلة، لنصل في الآخر الى مصحّ جماعي فلتان ومسلّح، سبق لصاحب الفضل، أن أوصلنا إليه أكثر من مرّة في أواخر ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الماضي، والشعار آنذاك كالشعار اليوم: وعدٌ بالخلاص لا ينتج إلاّ دماراً لا قعر له!

ماذا يقول اليوم جنرال العبث لجمهوره؟ وأي ثقافة شخصية وسياسية يعرضها على الملأ؟ وكيف لا يستحي ولا يخجل في تقديم سقط الكلام كبرنامج عمل، والشتيمة كشعار انتخابي، والذمّ والظّن والتخوين كبنود بيان علني ومتلفز؟ وكيف له أن يعود مرّة أخرى، الى حراثة حقول الفتن لزرعها بشتول أوهامه وتطلعاته وصرعاته وإصلاحاته؟!

جنرال العبث: لو تبقى وحدك أسير كيدك وأوهامك وماضيك العادم لحاضرك ومستقبلك! فذلك أفضل لمناصريك قبل أخصامك، ولخلاّنك قبل أعدائك.. وللبناننا قبل سوريتك؟!

السابق
إشتراكي في الإليزيه
التالي
ثوابت الرئيس ورهانات الآخرين