للخشية من تزايد أعداد النساء في السلك القضائي تعبيرات صريحة وأخرى مضمرة. ولعلّ اللجوء إلى صفة "التأنيث" لوصف أحوال القضاء يشير إلى تلك الخشية مواربة.
تأنيث مهنة بعينها يعني وجود غَلَبة نسائية عددية ونسبية – كما هي حال الهيئة التعليمية في التعليم الإبتدائي الرسمي في لبنان، مثلاً؛ فيما نسبة النساء في سلك القضاء ما زالت في حدود 40%، وهي لم تصل إلى النصف بعد.
هكذا يبدو استخدام العبارة من قبيل "التهويل" للتعبير عن الشعور بـ"الهول" من تلك الزيادة ومن تضميناتها. ويعزّز ما نقوله بطلان الحجج المتقادِمة التي أطلقها المتحفّظون عن التزايد المذكور إسناداً لتحفّظهم. هذه الحجج تمحورَت على كون النساء منهمِكات بأدوارهن الأنثوية، وبكونهن يجعلنها أولوية على سلّم انشغالاتهن، الأمر الذي يعكّر على إنجازهن المهني- أي، يعوّق عمل القضاء. وهي حججٌ رفعها المناهضون لعمل المرأة، بل لتعليمها أصلاً، في وجه المصلحيِن النهضويِين العرب في أوائل القرن الماضي.
إن بؤس هذه الحجج يظهّره واقع النساء المعاصر الموثّق في الدراسات الجندرية المتكاثرة التي ترصد أداء النساء والرجال المهني، والتي خلُصت جميعها إلى غياب الفروق في الأداء بين الفئتين في معظم المهن وفي مختلف المواقع فيها. لكن ما هو أهم من بلاغة ما تثبته الدراسات وينطق به الواقع، هو أن إشهار هذه الحجة، في معرض التحفّظ عن تكاثر النساء في القضاء، ما عاد قائماً في المجالات المهنية الأخرى التي تشهد تكاثراً في أعداد النساء تبعاً لتقدّم أحوال النساء في الإعداد المهني في كل المجالات في مجتمعاتنا.
لكن يبقى أن المسألة مطروحة في دائرة الحقوقيين. ومن علائم ذلك، مثلاً، أن "المفكرة القانونية"- وهي منظمة غير حكومية ترفع شعار "لا تتركوا القانون للقانونيين" (أنظر www. legal-agenda.com) عقدت لقاء خاصاً حول طاولة مستديرة تحت عنوان "تأنيث القضاء"، ضم حقوقيين وإعلاميين وباحثين في العلوم الاجتماعية. في هذا اللقاء استعرض باحثون حقوقيون إحصاءات جندرية في سلك القضاء تمهيداً لإصدار بحث أشمل، وناقشوا تضمينات ذلك التأنيث من مواقع متباينة. كما تناول الإعلام هذه الظاهرة مفسحاً في المجال للتعبير عنها في هذه المواقع. وقد أسرّ أحد القضاة الكبار في لبنان لباحث في المجال الحقوقي، وفي مقابلة مسجَّلة معه، أن "تكاثر الإناث في القضاء اللبناني هو إحدى مشاكل هذا القضاء"!( ملاحظة دوّنتها كاتبة هذه السطور في لقاء الطاولة المستديرة المذكورة ).
في القضاء تخصيصاً
لماذا الخشية من تزايد أعداد النساء في سلك القضاء، دون غيره؟
تحتلّ مؤسسة القضاء، وفي كلّ المجتمعات، موقعاً استثنائياً في المخيال العام؛ فهي مؤتمنة على إحقاق العدالة بين الناس وينبغي، إذاً، توفير الشروط التي تسمح لأشخاصها بالرقيّ إلى الصفاء العقلاني والموضوعية الصارمة وإلى الأخلاقية المجرّدة عن كلّ الأهواء، من أجل جعل السعي نحو تحقيق هذه العدالة ممكناً. صحيح أن القانون يشكّل المعيار الضابط لجعل أحكام المؤتمنين على مؤسسة القضاء عادلة، لكن القاضي يحكم بما "يُملي عليه ضميره"، أو وِفق "ما له الحق في التقدير"؛ وذلك، خاصّة، في حال قصّر القانون عن اشتمال الحالة، قيد النظر، صراحة في محكمته. فتُعيّن، تبعاً لذلك، صفاتٌ أساسية تصلح للحكم على جدارة المرشّح الشخص لتبوؤ تلك المكانة.
فهل يسع المرأة أن تصل إلى هذه المرتبة من السموّ يجعلها قادرة على الحكم بعقلانية صافية وبموضوعية صارمة وبأخلاقية مجرّدة؟ أي، أن تكون عادلة؟ المسألة، برأيي، تكمن هنا: في مواءمة موقع القضاء ووظيفته في المخيال العام مع الصورة التي تسكن أذهان الناس عن المرأة.
المرأة وصورتها
لكن ما هي تلك الصورة؟ كُتب الكثير عن الصورة النمطية الساكنة في الأذهان عن المرأة، والتي تجد تعبيراتها في الأمثلة الشعبية وفي الأساطير المتوارثة، كما في أحكام الأديان وتأويلاتها الفقهية؛ وكلّها يحيل إلى المرأة "الكيد" و"الشرّ" و"القصور الذهني والأخلاقي" و"الطفولة الأبدية" المتضمّنة في حاجتها إلى وكالة ذكور عائلتها ووجوب طاعتهم وتخويلهم تأديبها، وفي كونها محتاجة إلى امرأة ثانية "تذكّرها ما قد تنساه" كي تصبح شهادتها مقبولة في المحكمة إلخ. والحال، أن هذه الصورة مستقرّة الملامح في أذهان الناس إلى حدّ ليس بقليل وقلّما تخضع للتعديل لتصبح متناسبة مع واقع تكاثر نماذج مغايرة من النساء في أيامنا المعاصرة.
فإذا شاء أحدهم أن ينأى بنفسه عن هذه الصور النمطية وعن الأحكام المرتبطة بها، وحاول الاحتكام إلى "العلم" المعني بالمسألة، إلى علم النفس، مثلاً، فما الذي سيجده؟
انشغل علم النفس منذ بداياته بهذه المسألة ولجأ إلى العلم "المضبوط" ليثبت الشائع: كون المرأة سجينة قدرها البيولوجي/ الإنجابي، فلا يسعها التحرر من ذلك القدر إلى الفضاء الأسمى- ذلك المتمثّل بالضمير الإنساني وصنوه العدالة المجرّدة. و فرويد Freud كرّس هذه الفكرة لدى صياغته مفهوم "الأنا الأعلى"/ موقع الضمير الأنساني. ففي وصف دينامية تشكّل "الأنا الأعلى"، بيّن فرويد التصاق مصير هذا الركن من الشخصية بتمثّل الجسد، ليأتي قصوره وضعفه لدى الأنثى حقيقة مترتّبة عن "قصور ودونية" الجسم الأنثوي (بالمقارنة مع "فخامة" جسم الذكر).
وفي محطّة تالية، ومن منظار علم النفس المعرفي، قدّم كولبرغ Kohlberg – استكمالاً لعمل بياجية Piaget – نظريته في التطوّر الأخلاقي لدى الفرد ووقَعَ على نتيجة شبيهة: من أن النساء لا يسعهنّ الوصول إلى مراحل متقدّمة من النمو الأخلاقي – العدالة المطلقة / المجرّدة، بل تراهنّ يراوحْن في المراحل الأدنى من ذلك النموّ.
نكتفي بهذين المثلَين من كبار علماء النفس. هذه النتائج "العلمية" كانت مؤثّرة في المعايير التي اعتمدها القضاء في البلدان التي أنتجت هذا العلم. وهو ما حفّز أكثر من باحثة في علم النفس، وفي سياق حركة تحرّر المرأة، إلى مراجعة هذه النتائج "العلمية" ووضعها تحت مجهر نسوي. وغيليغان Gilligan من هؤلاء؛ فهي زعمَت أن إيلاء العدالة المطلقة / المجرّدة مرتبة أعلى في سلّم التطوّر الأخلاقي إنما يتمّ من المنظار الذكري، واستيفاء لضرورة تحقيق الانفصال/ التفرّد/ الفردانية مثالاً لاكتمال نموّ الشخص، ولتحقيق رشده في المجتمعات الغربية وحضارتها القائمة على التنافس والهيكلة الهرمية. لكن الإناث، وتبعاً لعوامل تتعلّق بوظائفهن وتنشئتهن على الاستجابة لمتطلّباتها، يَمِلْن إلى إعلاء أخلاقيات الارتباط والتعلّق والاعتماد المتبادل على أخلاقيات العدالة المطلقة والمجرّدة.
لماذا الخشية؟
أعود إلى الخشية من تأنيث القضاء عندنا. و وأزعم أن المتحفّظين عن تكاثر النساء في هذا السلك يجدون في ذلك التكاثر غضّاً من سموّ موقعه وتشويشاً على وظيفته. هؤلاء، ومن بينهم حقوقيون وإعلاميون وسياسيون، يأنفون على الأرجح، أن يُحيلوا موقفهم إلى المعتقدات والأساطير السائدة حول المرأة، ولستُ متأكدة أنهم على معرفة بأحكام مدارس علم النفس الكلاسيكية عن "حدود التطوّر الأخلاقي" الضيّق لدى المرأة. ما هو سند خشيتهم، اذاً؟ البداهة؟ "الحس العام المشترك"common sense الذي يفترضون أن متلقّيّ حججهم يشاركونهم إياه؟ كيف توصّلوا إلى القول بصعوبة الجمع بين مكانة القضاء ومكانة "المرأة "/ الأمومة، خاصّة؟ هل استنطقوا الواقع – واقع القاضيات في السلك وجودة أدائهن بالمقارنة مع أداء القضاة الرجال منهم، فتكون حججهم قائمة على قاعدة صلبة، كما ينبغي لها أن تكون، قبل إطلاق العنان لخشيتهم؟
"بِعُيون النساء"… والرجال أيضاً
نفترض، وافتراضنا محتاج لإثبات، أن لهؤلاء مسوّغاً لخشية لعلّهم "غير واعين" لمصدرها. أتكلّم عن خشية مصدرها تعديل نوعي قد ينجم عن التعديل العددي في تواجد النساء في القضاء؛ أي، عن أن تداعيات تكاثر القاضيات في السلك الذي سيُفضي، على الأرجح، إلى ضرْبٍ من "التأنيث" للقضاء سيتجلّى تأثيره على صعيد حرِج: في المعايير التي تحكم أخلاقيات القضاء وفي معاني العدالة التي يتظلل بها. اي ما يتمثّل بإدماج معيش النساء في المعاني المُسبغة على العدالة. ولعلّهم واقعون، كما هي حال أكثر الناس، تحت وطأة النظرة "الأصولية" التي تعزو إلى النساء ( وإلى الرجال أيضاً) بنية نفسية ثابتة ناجمة عن ثبات البيولوجيا والأدوار الاجتماعية المرتبطة بها، ويميلون، كما يفعل أكثر الناس أيضاً، إلى النظر إلى المركبات الثقافية cultural constructs بمنظار الثنائية – الاستبعادية؛ أي، في في اعتبار المفهومَين النسائي والرجالي للعدالة، مثلاً، واقعَين على قطبَين متضادَّين. فإذا برزت "العلائقية وأخلاقيات العناية" ethics of care إلخ، بصفتها من بعض مكوّنات هذا المفهوم، فإن ذلك سيكون طارداً ونافياً لـ"العقلانية والتجرّد والحيادية" إلخ، منها.
والحال، إن الأبحاث في المجتمعات الأكثر تطوّراً في المجال الحقوقي، تشير إلى أن "رفاه" well being الأفراد والمجتمعات بات مشروطاً باشتمال مُعاشات النساء، جنباً إلى جنب مع معاشات الرجال، في كل المركبات الثقافية – الاجتماعية وفي كل المجالات. وفي المجال الحقوقي، تحديداً، فإن التعبيرات عن المفاهيم المتداولة ما عادت مصوغة بالمعاشات الذكرية فحسب، بل هي تنحو لأن تكون اشتمالية لمعاشات الجنسَين؛ وذلك على شكل توليفة من كلّ مواصفات العقلانية والموضوعية إلخ، من السمات الملحقة بالرجال، والتي تُطلق عليها راهناً، من جهة، ومن "أخلاقيات العناية" التي وسَمَتْ حيوات النساء بفعل الامتداد البعيد في التاريخ لقيامهن بالأدوار الأنثوية المعيّنة لهن، من جهة ثانية. "أخلاقيات العناية" هذه قد جرى تفعيلها في المجالات العامة، وباتت من المفاهيم المتداولة في الخطاب الحقوقي في المجتمعات التي تنحو نحو المساواتية الجندرية.
نشير إلى أنه، وفي لقائنا حول الطاولة المستديرة إياها، استعرضَت إحدى القاضيات تجربة النساء في السلك القضائي اللبناني؛ وكان أن لمسنا – نحن المستمعين – تجلّيات أخلاقيات العناية هذه في أمثلة من أحكام قضَت بها هؤلاء النساء، في القانون المدني خاصّة.
هل نستشرف أن تكاثر أعداد القاضيات سيفضي إلى تراكم هذه الأحكام؟ وهل ستؤسّس هذه الأحكام إلى توسيع دائرة مفهوم العدالة لتشتمل على رؤية النساء واختباراتهن لهذا العالم؟ ألا تصبح أحكام القضاء – و"العدالة" ضمناً – أكثر عدالة إذا ما ساهمت النساء في صوغ مفهوم أكثر اشتمالاً لمعاش النساء والرجال؟
أم أنها ستكون "أقلّ" عدالة بمنظار بعض من لا تزال تغشى عيونهم خشية "تأنيث القضاء"؟

