شكراً فيلتمان!

أعاد مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الاوسط جيفري فيلتمان تصحيح الخلل الذي اعترى موقف الإدارة الأميركية من الثورة السورية، هذه الإدارة التي اتخذت مؤخراً سلسلة مواقف متناقضة صبّت من حيث تدري أو لا تدري في خدمة النظام السوري، لأن أيّ تلكؤ في الموقف الأميركي أو الدولي أو العربي يستفيد منه هذا النظام، خصوصاً في ظلّ غياب أيّ دعم عسكري مباشر أو غير مباشر للثورة السورية، وفي حين أنّ المطلوب من هذه الدول راهناً أن تحافظ على تشدّدها بتنحية الرئيس السوري من دون شروط.

أمّا أهمية موقف فيلتمان فيكمن في الآتي:

أولاً، يدلّل على أنّ مساعد وزيرة الخارجية الأميركية هو من الدبلوماسيّين القلائل المنسجمين مع أنفسهم وأفكارهم، ومن الذين يتعاطون العمل الدبلوماسي من موقع مبدئيّ كي لا نقول أيديولوجي، الأمر الذي يجعل مواقفهم واضحة وضوح الشمس وتصبّ باستمرار في الاتجاه السياسي نفسه. وقد شكّل فيلتمان طوال الفترة السابقة ولغاية الآن رافعة سياسية للمشروع الاستقلالي اللبناني، وهو يشكل اليوم داعماً أساسياً للشعب السوري في ثورته من أجل الحرّية والديموقراطية والكرامة الإنسانية.

ثانياً، يؤشر موقف مساعد وزيرة الخارجية الأميركية إلى فهم عميق لأبعاد الثورات العربية والثورة السورية تحديداً، ولا يحيد عن الهدف الأساس المتمثل بإزاحة الرئيس السوري بعيدا عن تفاصيل تنظيم "القاعدة" وغيرها التي غرقت فيها الإدارة الأميركية وكادت "تنأى بنفسها" عمّا يحصل داخل سوريا، علماً أنّ هذه "البضاعة"، أي القاعدة وأخواتها ومشتقاتها، كان يستخدمها النظام السوري وما يزال من أجل تسويق نفسه وتلميع صورته و"بلف" الدول الغربية، وكنا اعتقدنا أن هذه "البضاعة" أضحت منتهية الصلاحية. وحسناً فعل فيلتمان في إبداء إيمانه بأهداف الانتفاضة السورية التي يرفض "تشويه سمعتها من خلال الحديث عن دخول تنظيم القاعدة على الخط، لأن الانتفاضات العربية بما فيها السورية تمثّل هزيمة للقاعدة".

ثالثاً، يشدّد مساعد وزيرة الخارجية الأميركية على حقّ الشعب السوري بالتسلّح من خلال قوله "لا اعتقد أنّ أحداً يمكن أن يحرم الناس حق الدفاع عن أنفسهم وحماية عائلاتهم من هذه الوحشية"، الأمر الذي يُعدّ بمثابة الضوء الأخضر لتسليح الثورة السورية من قبل الدول الخليجية، وبالتالي إسقاط النظريات الطوباوية الداعية إلى الاكتفاء بالمواجهات السلمية بعيدا عن عسكرة الثورة، وكأن النظام السوري نظاماً ديموقراطياً يستجيب لتطلعات شعبه ويخضع لإرادة ناسه، خصوصاً أنّ المواجهة العسكرية هي الوسيلة الوحيدة لإسقاط هذا النظام، وقد أثبتت نجاحها بإرهاقه واستنزافه والسيطرة على أجزاء واسعة من البلاد التي باتت خارج نفوذه.

رابعاً، يدعو مساعد وزيرة الخارجية الأميركية إلى أن "ينتهي النظام في أسرع وقت ممكن بحيث تبقى مؤسسات الدولة متماسكة من أجل ادارة العملية الانتقالية كما تتضمّن خطة جامعة الدول العربية"، وهذه الدعوة إن دلّت عن شيء فعلى أن لا عودة إلى الوراء، والمعادلة اليوم باتت كالآتي: إمّا مزيد من التسليح تسريعاً في إسقاط النظام، وإمّا استمرار القتل والنزف وإطالة الأزمة لغاية سقوطه الحتمي، فيما من الأجدى التسريع لسببين، الحدّ من حجم ومنسوب الأرواح التي تزهق يومياً، وتجنّب الفوضى التي قد تنشأ بفعل التآكل الذي يصيب المؤسسات وفي طليعتها مؤسسة الجيش.

خامساً، يؤكد مساعد وزيرة الخارجية الأميركية أنّ "سقوط بشار هو أمر حتمي، وأنّ قدرة عائلة الأسد – مخلوف على مواصلة استغلال الدولة لمصالحها تشارف النهاية"، الأمر الذي يقطع الطريق أمام كل المبادرات الهجينة التي لا تستند إلى أي معطى سوري وعربي ودولي، هذه المبادرات التي تجد فيها بعض دول المنطقة مناسبة للعب أدوار على حساب دماء الشعب السوري، خصوصاً لجهة الدعوة، على سبيل المثال، إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية أو حلّ سياسي يبقي الأسد في السلطة… فهذه الدعوات أو المبادرات أسقطها ويسقطها الشعب السوري يومياً، ولا حل سياسيا في سوريا في ظل الأسد…

وقد أعقب كلام فيلتمان موقف لـ"البيت الأبيض" طالب فيه "المعارضة السورية بالتوحّد"، لافتاً إلى أنّ واشنطن "تركّز حالياً في معالجتها للملف السوري على المبادرات الدبلوماسية والسياسية لا على الحل العسكري"، هذا الموقف الذي تمّ تفسيره من قبل قوى 8 آذار وإعلامها في لبنان بأنه يناقض كلام فيلتمان، فيما هو يتكامل في الحقيقة مع كلامه، لأنّ الخيار العسكري المقصود يعني المجتمع الدولي حصراً، وليس دعوة المعارضة إلى عدم اعتماد هذا الخيار، إذ إنّ التوجّه الدولي على هذا المستوى بات معروفاً بأنه ليس بوارد التدخل، وأن الحسم منوط بقدرة المعارضة على خلخلة أسس النظام وصولا إلى إسقاطه بالضربة القاضية.

ولعلّ ما لا يدركه النظام السوري بأنّ المجتمع الدولي لديه الثقة التامة والمطلقة بقدرة المعارضة على إسقاطه وفي وقت لا يتعدى الأشهر الأربعة، ومن هنا مواقفه "الإعلامية" التي تستبعد الخيار العسكري من جهة، وتؤكد أنّ "الديكتاتور سيسقط في النهاية"، من جهة أخرى، كما جاء على لسان الرئيس الأميركي باراك أوباما…

السابق
هرطقة الـ‮ ‬11‮ ‬مليارا
التالي
فيلم إسرائيلي يسخر من اغتيال القيادي بحماس محمود المبحوح