أفضت احدى مراحل جلجلة الحكومة امس الى انفجار "القلوب المليانة" بين رئيس الوزراء نجيب ميقاتي ورئيس "تكتل التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون، على خلفية التعيينات المسيحية في الهيئات الرقابية، وعلقت جلسات مجلس الوزراء من غير ان يستقيل ميقاتي او يعتكف، بعدما تفادى نقل موضوع التعيينات الى التصويت. وحمّل ميقاتي وزراء "التكتل" مسؤولية تعطيل عمل مجلس الوزراء، لكنه نقل الخلاف ليلا الى الحديث عن الصلاحيات الدستورية لرئيس الوزراء. فيما صرح الوزير جبران باسيل لـ" النهار" بان "التكتل لن يقبل ان تستمر عادة فرض فئة من اللبنانيين ما تريده على فئة اخرى نمثلها نحن".
وسجل الانفجار الحكومي فيما كان لبنان يشهد حدثا قضائيا مهما. فقبل شهر تماما من موعد تجديد بروتوكول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان،وقبل اسبوعين من ذكرى 14 شباط، وفيما بدأ رئيس مكتب الدفاع فرنسوا رو زيارته لبيروت، جاء قرار غرفة الدرجة الاولى في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ليطلق العد العكسي للسير بمحاكمة المتهمين الاربعة باغتيال الرئيس رفيق الحريري غيابيا وهم: سليم جميل عياش، مصطفى امين بدر الدين، حسين حسن عنيسي واسد حسن صبرا. واشارت المحكمة في بيانها الى جهود السلطات اللبنانية للعثور على المتهمين وابلاغهم التهم الموجهة اليهم، وكذلك اعلنت انه "في غضون 30 يومًا من تاريخ صدور قرار غرفة الدرجة الأولى، يكشف المدّعي العام للدفاع نسخاً عن الأدلة المؤيدة التي أرفقت بقرار الاتهام في مرحلة تصديقه. وتتضمن إلى جانب النسخ عن الأدلة المؤيدة المرفقة بقرار الاتهام، إفادات جميع الشهود ".
التعيينات تنفجر بين ميقاتي وباسيل
وفيما كانت الانظار متجهة الى مجلس الامن لمتابعة تداعيات الوضع السوري دوليا، انفجرت الخلافات داخل مجلس الوزراء على ملف التعيينات واطاحت الجلسة التي كان يرأسها رئيس الجمهورية ميشال سليمان في قصر بعبدا. وأفادت مصادر وزارية مطلعة من خارج الطرفين، ان الاتصالات التي بدأت منذ السبت الماضي، كانت تشي بالوصول الى هذا المأزق بعدما ادرج بند التعيينات في جدول الاعمال لجلسة الاربعاء، وابدى عون تحفظه عنها. ونقل باسيل هذا التحفظ الى اكثر من جهة، وخصوصا في ما يتعلق بتعيين رئيس الهيئة العليا للتأديب، اذ اقترح ميقاتي اسم القاضي ايلي بخعازي، الذي كان مطروحا اساسا لمنصب محافظ بيروت.
ونفت هذه المصادر ان يكون توجه ميقاتي الى فرط الحكومة، بدليل انه ترك الباب مفتوحا وطلب تعليق الجلسات فحسب، نافيا الاستقالة او الاعتكاف. وقالت ان جو الجلسة بدأ متشنجا حين سأل ميقاتي في مستهلها وزراء "التكتل" ما اذا كانوا فعلا يعدون قبل جلسة الثلثاء لتسيير تظاهرة الى السرايا الحكومية، وانهم الغوها بعد القرارات الحكومية الاخيرة، مؤكدا ان هذه "القرارات اتخذناها لاننا مارسنا قناعاتنا بمطالب مشروعة". ونفى باسيل صحة هذا الكلام. وحين وصل النقاش الى التعيينات حصل الانفجار لكنه، على اهميته، ابقى مجال الاجتهادات. ذلك ان ميقاتي لم يعلن الموقف بنفسه خارج مجلس الوزراء، وهو اراد توجيه رسائل متعددة الاتجاه، اولا امام الرأي العام بانه ليس هو من يعرقل التعيينات المسيحية، وثانيا يعلن تضامنه مع رئيس الجمهورية، الذي يؤيد تعيين بخعازي، وخصوصا بعد توتر جلسة الثلثاء. ولفتت الى ان الوزراء كانوا يتوقعون تجزئة التعيينات، لو لم تكن الغاية تسجيل ميقاتي سابقة لمصلحته في فرض ايقاع التعيينات بما يراه مناسبا. واكد وزراء شاركوا في حركة الاتصالات ليلا، ان احدا من الفريقين لم يكن جاهزا للتسوية الفورية، فوزراء عون فوجئوا بحجم موقف ميقاتي، فيما اكد رئيس الوزراء انه لن يتراجع عن مبدأ التعيينات وفقاً لما يرتئيه. وسألت " كيف يمكن رئيس الجمهورية ان يقول في الجلسة ان رئيس الحكومة بعد الطائف اهم من رئيس الجمهورية وانه لا يمكن ان ينعقد مجلس الوزراء من دونه، وانه لا يمكن مقارنة رئيس الحكومة بالوزير".
ميقاتي والصلاحيات
وليلا تحدث ميقاتي عبر "تويتر" فقال ان " تعليق جلسة مجلس الوزراء يقع ضمن الحقوق الدستورية لرئيس مجلس الوزراء وخصوصا عندما يكون ثمة نصاب". واضاف ان الخطوة تهدف الى دفع الجميع الى التصرف بمسؤولية واستخدام طاقاتهم في شكل ايجابي لتسيير شؤون الدولة لا العكس".
واوضحت المصادر القريبة منه لـنا انه لدى وصول النقاش في الجلسة الى بند التعيينات، طلب باسيل الكلام فتمنى سحب التعيينات فأجابه ميقاتي" وما هو المبرر لسحبها؟ هل لديك اعتراض على الاسماء المطروحة او على اي منها؟". فاجاب باسيل:"لا "واكمل ميقاتي كلامه: "انا اشعر ان هناك اصرارا على الرفض لتعطيل عمل الحكومة وانتم تتحملون المسؤولية ولا احد آخر. وهذا ما لا اقبل به. لقد اصبح معروفا من يعطل مجلس الوزراء ولا يمكنني القبول بذلك. فانا اتحمل المسؤولية وفخامة الرئيس انتقد بطء انتاج الحكومة. ويشهد الله أنني لا أعرف احدا ممن سميتهم في التعيينات وانا اتمنى على فخامة الرئيس تعليق الجلسة ولن ادعو الى جلسة اخرى. انا لست مستعدا لتحمل وزر التعطيل بعد اليوم".
وقالت المصادر القريبة من ميقاتي ان وزراء "تكتل التغيير والاصلاح" حاولوا الخروج فطلب رئيس الوزراء منهم العودة من اجل احتساب النصاب. وقال ميقاتي لـ"النهار" ان تمسكه بالبلد يملي عليه عدم القبول بالتعطيل بعد الان " ولا اعتكاف ولا استقالة ولا جلسة الا بانهاء ممارسات التعطيل وكفى تعطيل وآن الاوان للانتاجية".
وقال احد الوزراء المقربين من ميقاتي لـنا ان رئيس الوزراء كان واضحا في كلامه من حيث ان مركز رئيس المجلس التأديبي يتبع رئاسة الحكومة وهو دعا الوزراء الى ابداء الرأي لأخذه في الاعتبار اذا كان اعتراضا مهنيا او اخلاقيا ولكن طلب جبران باسيل التشاور والعودة الى العماد عون دفع ميقاتي الى لانتفاض، مذكرا باسيل بأن هذا الموقع يدخل ضمن صلاحيات رئيس الحكومة وطلب التشاور يمثل اعتداء على هذه الصلاحيات وكان تدخل رئيس الجمهورية الى جانب ميقاتي ليؤكد ان رئيس الحكومة لا يعامل كما يعامل الوزراء".
باسيل وعودة التوازن
وقال الوزير باسيل بدوره: لـ" النهار" " لسنا نحن من يقبل ان يسجل في وجوده ان ما يطلبه رئيس الحكومة منزل ويجب ان يخضع له مجلس الوزراء، وخصوصا في مجال التعيينات. فما اعتادته فئة من اللبنانيين بطريقة تعاملها مع فئة اخرى، لا يمكن ان يتم معنا، ونحن سنغير هذه العادة، ونعيد التوازن في مجلس الوزراء. فنحن لا نمس بصلاحية رئيس الحكومة ولا نقبل ان تمس صلاحيتنا. فلرئيس الحكومة حق اقتراح اسم، ومن حقنا ان نرفض او نوافق. مع العلم ان هذا الاسم مطروح من خارج آلية التعيين وخارج مبدأ التوافق الذي تم التوصل اليه". ولفت الى انه سبق لوزير العدل شكيب قرطباوي ان طرح مرشحا لرئيس مجلس القضاء وهذا من صلاحيته ولم يتم التوافق عليه".

