عرفت صيدا وجوارها في التسعينات من القرن الماضي موجة استهداف لكل المحال التي تبيع الكحول، ولاسيما في قرى شرقها أو ساحل الشوف الجنوبي، وخصوصاً بلدة الرميلة الساحلية. وبعد الكثير من القيل والقال، هدأت "الموجة"، وعاد كل الى نشاطه: البائعون الى بيعهم، والشاربون الى مشروبهم، والمفجّرون الى مخابئهم. من لم يكن يهوى الكحول لم يبدّل اقتناعاته، ومن أرادها كأساً على مائدته لم يخف من التجربة. في القرن الحادي والعشرين، عادت الموجة بأوجه عدة في مناطق أخرى، من "تهجير سلمي" في النبطية وجوارها، الى مقاربة عنفية في صور والصرفند… وربما الآتي أعظم. أما الحدت، فاختبأت خلف المحال لتقول إن الكحول تؤدي الى تفلّت "الزعران" وافتعالهم مشكلات تؤرق عيون السكان والقاطنين في المنطقة. في ما يأتي محاولة من "نهار الشباب" لتبيان حقيقة ما جرى ويجري، ويبدو انه سيستمر في "الجريان"، ما دام لم الجميع لم يقتنعوا بأن شرب الكحول حق كغيره، يمكن "ممارسته" كما يمكن الامتناع عنه، لكن الأهم ان لا ينسى الرافضون ألا إكراه في التجربة، سوى حماية حق الآخرين.
شهدت قرى قضاء النبطية "الموجة السلمية" الأولى من الإحتجاجات المطالبة بوقف بيع الكحول في المحال المرخصة وسط "ارتباك" المسؤولين الرسميين وعجزهم عن "اتخاذ قرارات واضحة حيال ما حصل". وما هي إلا أشهر حتى ارتدّت التداعيات السلبية دون سابق إنذار في اتجاه غير منطقة جنوبية، فطاولت التفجيرات المطاعم والمحال في غياب تام لـ "المحرّضين الاوائل"، وكأن ثمة من اصطاد في الماء العكر! فما الذي حصدته "الموجة السلمية" جنوباً، والتأثيرات الاقتصادية لـ "الموجة العنفية"؟
منعٌ استمر اسبوعاً
بعد حملة اللافتات والتحذيرات بالتحركات الشعبية حيال محال بيع الخمور، تردد في النبطية ان أحد المسؤولين البلديين "نجح في تحقيق حلمه بجعل المدينة خالية من الكحول"، بعدما أقفلت مؤسسة صبّاغ أبوابها، وانتقل إبن ديرميماس يعقوب يعقوب من محله المقابل لثانوية الصباح الرسمية، والذين كان موقعه بمثابة "شرارة" إنطلاق الإحتجاجات، الى بلدة بفروة المسيحية. أما "سوبر ماركت عواضة" فتوقفت عن بيع الكحول كما تمنعت الشركات عن نقل البضائع الى النبطية وقراها. ولكن ماذا حصل بعدها؟
صمد الواقع الجديد أسبوعاً واحداً فقط، إذ بادر أحد الأطباء من بلدة كفررمان المجاورة الى افتتاح محل لبيع الكحول مرخص من وزارة المال، مرتكزاً على التنوع السياسي القائم في البلدة ومستفيداً من تمايز الموقف بين بلديتي النبطية وكفررمان حيال مسألة بيع الكحول. وهكذا كرت السبحة من دون أي عوائق او احتجاجات فشيّد شخصان محال تجارية جديدة ضمن النطاق الجغرافي لكفررمان بينما استأنف أقدم محل لبيع الكحول في النبطية عمله كالمعتاد، علماً ان التوزع الجغرافي للمحال كان معاكساً قبل الحملة.
واكد أحد أصحاب المحال – رفض ذكر إسمه – ان "كل الأسباب التي رفعت من أجل إقفال المحال سابقاً لاسيما على صعيد إدعاء البيع للقاصرين وغيرها لم تعدّ تسمع في المدينة، بل اكتفت وزارة المال عند الترخيص بالتأكد من ابتعاد المحل مسافة 100 متر عن أماكن العبادة والمؤسسات التربوية، كما قمنا بحجب المشروبات عن أنظار المارة بوضعها وراء عازل"، مؤكداً ان" أي جهة بلدية أو غيرها لم تعد تتعامل معنا كما لو ان ما حصل لم يحصل إطلاقاً، حتى ان السوق لم تتضرر كثيرا بالأزمة الحاصلة منذ عام وما رافقها من ضجيج إعلامي، لكننا لا نخفي أننا أمام ما يجري في صور والصرفند بتنا قلقين بعض الشيء".
"زلزال" إقتصادي!
في المقلب الآخر، وقعت صور ضحية التفجيرات المتنقلة "غير المرتبطة بما جرى في النبطية الصيف الماضي وإن كان منع بيع الكحول هو الهدف المشترك ظاهرياً ما دامت المحال والمطاعم المستهدفة كانت تقدم الكحول وتقيم الحفلات"، وفق ما أكدته مصادر في المدينة لـ"نهار الشباب"، معتبرة ان"الإقتصاد والإستقرار في الجنوب هما المستهدفان بالتفجيرات".
من جهته، نفى مالك مطعم "تيروس"، الذي تعرض للتفجير، زهير أرناؤوط ان يكون قد تلقى أي تهديد لوقف تقديم الكحول "وكل ما حصل أنه تم تمزيق إعلاناتي لسهرات رأس السنة أكثر من مرتين في مواقع مختلفة، فأبلغت القوى الأمنية بذلك ثم حصل التفجير"، مشدداً على انه" لا يزال يجهل ما هو المطلوب من التفجيرات، فالواضح انها تستهدف من يبيع الكحول، لكنني لا أزال أجهل غريمي لكي أتخذ موقفاً بالرفض او القبول، مع العلم انه مضى على تقديمنا الكحول في مطعمنا أكثر من 22 سنة دون أن يعترض أحد بل على العكس صور هي مدينة التعايش والإنفتاح".
ولفت الى انه "بعد التفجيرات باتت الحفلات المقامة تقتصر على حضور الأصدقاء وبعض الراغبين في تحدي الإستمرار بينما سابقاً كان الحضور لا يقل فيها عن 300 أو 400 شخص مما جعلني أخفض ساعات عمل العاملين لدينا الذين يعيلون 32 عائلة، مع العلم ان مناطق مسيحية كجنسنايا ورميش شهدت حيوية بالحفلات بعد ما حصل في صور". وطالب "القوى الموجودة في صور مع القوى الأمنية بالكشف عن الفاعلين وتحديد ما هو المطلوب، فهم يعرفون النملة من أين تدخل وتخرج في منطقتنا. أنا تحت سقف القانون اللبناني إلا إذا كان هناك أعلام اخرى فليتم الكشف عنها لنحدد ما الذي يمكننا فعله".
وكشفت مصادر عاملة في قطاع الصيرفة في المدينة ان ما حصل "انعكس سلباً على الاوضاع الإقتصادية برمتها، فكل المؤسسات كانت تستفيد من السياح الوافدين الى المنطقة بفعل انفتاحها، ولكن من يجرؤ على ذلك في ظل استمرار التفجيرات؟ فإذا كان المطلوب منع بيع الكحول فليكن ذلك بطلب صريح وواضح لنجنيب المدينة الزلزال الإقتصادي الحاصل"، مؤكدة ان كل أصحاب المؤسسات السياحية وغيرها "هم من أبناء هذه المدينة المحسوبين على أطرافها السياسية والإجتماعية، وتالياً نناشدهم العمل معاً لرفع الضرر المتفاقم يومياً، وتحديد ما هو ممنوع وما هو مسموح".
لا شك في أن ما عاشته النبطية وما تلاه في صور يستهدف الإنفتاح التاريخي للجنوبيين في حياتهم الإجتماعية، لكن كما علّق احد المسنين على شاطىء المدينة قائلاً: "الموج مهما كان عاتياً يبقى متقلباً ومتغيراً، اما الجنوب فيبقى المنفتح بمحبة على الجميع".

