وصل أمس إلى لبنان القائد الجديد لقوات «اليونيفيل» الجنرال الإيطالي باولو سيرا وهو سيتسلم مهامه رسميا في 28 الجاري في الناقورة من الجنرال الأسباني ألبرتو آسارتا. ولمناسبة تولي إيطاليا قيادة هذه القوات، يصل الى لبنان غدا وزير الشؤون الخارجية جوليو ترتسي ووزير الدفاع جان باولو دي باولا في زيارة تستمر يوما واحدا.
وفي بيروت، تحدّث السفير الإيطالي جيوسيبي مورابيتو أمس لـ«السفير» عن الزيارة ورمزيتها «من حيث قدوم وزيرين إيطاليين لبيروت في وقت واحد»، وهما سيلتقيان الرؤساء الثلاثة وسيحضران حفل التسلم والتسليم في الناقورة وسيركزان على أن «لبنان هو شريك استراتيجي لإيطاليا».
ووصف مورابيتو في حواره مع «السفير» قائد «اليونيفيل» الجديد باولو سيرا بـأنه «ممتاز». مضيفا: «أنا على ثقة بأنه لن يخيّب أمل الأصدقاء اللبنانيين، وهو مستعد لمهمته نظرا لتاريخه المهني الطويل، وأنا متأكد بأنه سيقوم بعمل جيد، وأشير الى أن إيطاليا كما الدول الـ35 المساهمة في «اليونيفيل» ستعمل ضمن نطاق الأمم المتحدة على إنجاح المهمة المنوطة بها بكل قوتها».
وقال مورابيتو أنه لم تصدر بعد نتائج المراجعة الإستراتيجية التي تقوم بها الأمم المتحدة في شأن «اليونيفيل»، متوقعا صدورها في الربيع المقبل، «وهي مراجعة لتفعيل عمل «اليونيفيل» وليس للتقليل من دورها».
وكشف مورابيتو في حواره بأن إيطاليا لن تعمد الى تخفيض عدد جنودها بعد الآن على الرغم من الأزمة الإقتصادية التي تمرّ بها مشيرا الى أن خفض 500 جندي من عديد الجنود الإيطاليين سابقا كان بسبب الأزمة المالية، «لكن ذلك لم يؤثر على القدرة العملانية لهذه القوات»، لافتا الانتباه الى أن «لإيطاليا اليوم 1100 جندي في قوات حفظ السلام في الجنوب اللبناني».
السفير مورابيتو الذي وصل الى بيروت منذ قرابة السنة، يصف لبنان بأنه بلد «خلاب» وشعبه «مثقف جدا ومنفتح على العالم وهو نموذج بالنسبة الينا يمكن تعلم الكثير منه». ويركز على التبادل الثقافي بين البلدين، مشيرا الى وجود 4 مراكز ثقافية إيطالية في لبنان في زحلة وجونيه ورأس بيروت وصور، حيث يتعلم 906 طلاب لبنانيين اللغة الإيطالية.
وفي مسيرته الدبلوماسية تولى مورابيتو تمثيل إيطاليا في بغداد، باريس، بروكسيل، ميامي، وفي بلدان جنوب الصحراء الإفريقية الكبرى.
وفي ما يأتي نص الحوار:
بعد زيارتك لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي حذرت من تبعات الأزمة السورية على لبنان، مم أنت متخوف فعليا؟
لا أرى نتائج مضرة على لبنان. عندما اندلعت الأزمة السورية سارع البعض في المجالس السياسية الى التحذير من نتائج سيئة وفورية على لبنان وهذا ما لم يحصل لحسن الحظ، ويعود الفضل في هذا الأمر الى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والى حكومته ولكن ايضا الى الطبقة السياسية اللبنانية بشكل عام التي فهمت أنه يجب ترك لبنان خارج دائرة ما يحصل في سوريا.
هل تؤيد إذن سياسة «النأي بالنفس» التي اعتمدها لبنان في مواقفه الدولية من الأزمة السورية؟
لم اقل ذلك. قلت إن السياسة اللبنانية استطاعت أن تجنب لبنان أي نتائج عنفية تتأتى من الحوادث التي تحصل في سوريا. نحن نفهم تماما المصاعب الموجودة وخصوصا بسبب الجوار الجغرافي للبنان مع سوريا فيما إيطاليا بعيدة. من هنا يتعامل كل بلد مع الحوادث بحسب موقعه الجغرافي.
كيف تنظر إيطاليا الى دور لبنان في المنطقة وسط ما يسمى بـ«الربيع العربي»؟
أنا شخصيا لا أستخدم عبارة «الربيع»، ونحن نتمنى أن يتحول الأمر الى «ربيع». الديموقراطية مفهوم عميق ويرتدي أهمية كبرى، وعلى ضوء ذلك ينبغي أن يتم التغيير في العالم العربي كلّه. ويمكن أن يضطلع لبنان في ضوء ما يحصل في العالم العربي بدور ريادي، الجميع في أوروبا قلق من الإنعكاسات التي قد تحملها الأزمة السورية على لبنان، لكننا في الوقت عينه نرصد جانبا إيجابيا ومهما، برأيي أنه يمكن للبنان لعب دور كبير في تصدير الإستقرار الى العالم العربي، لأن لديه طبقة سياسية مستعدة لذلك، والنموذج اللبناني المرتكز الى الوفاق والعيش المشترك واحترام مختلف الهويات الدينية، هو مثال صالح للدول الأخرى.
تتولى إيطاليا قيادة «اليونيفيل» في لحظة اقليمية دقيقة جدا، كيف تنظرون الى هذه المهمة وهل من قلق لديكم؟
نحن نعلق أهمية كبرى على هذه المهمة وخصوصا اننا نؤمن بالدور الذي تقوم به «اليونيفيل» من أجل الحفاظ على السلام والإستقرار والوحدة في الجنوب اللبناني. نعتقد بأن هذه القوات قادرة على لعب دور محوري في مختلف أنواع الأزمات سواء من أجل تحقيق الإستقرار في لبنان أو في التقدّم على الصعيد السياسي.
بالتأكيد ثمة تحديات أمنية اليوم بسبب الأزمة في سوريا وفي المنطقة ككل، ولكن توجد أيضا تحديات سياسية ويجب أن تبرهن «اليونيفيل» أنها قادرة على إنجاز التفويض المنوط بها من قبل الأمم المتحدة، وأعتقد أنه هذا هو الدور الذي ستلعبه «اليونيفيل» في المستقبل.
هل سيتم تخفيض عدد قواتكم مجددا بسبب الأزمة المالية التي تمر بها إيطاليا؟
لقد سبق وتمّ تخفيض العدد بحوالي الـ500 جندي ولا يزال هنالك 1100 جندي إيطالي عاملون في «اليونيفيل»، لكن هذا التخفيض لم يؤثر على القدرة العملانية لهذه القوات، كذلك بقيت الكتيبة الإيطالية على مستوى الفاعلية نفسه وبالتالي فإن العدد الموجود حاليا ملائم، في هذه اللحظة التي تتولى فيها إيطاليا قيادة «اليونيفيل» ستحافظ فيها على طاقاتها كلها.
هل تقصد أن لا تخفيض جديدا لعدد جنودكم؟
لن نخفض عديدنا مجددا وخصوصا مع وجود قائد إيطالي لهذه القوات، وقد سبق وقمنا بذلك بسبب الأزمة المذكورة.
ما هي الرسالة التي يحملها وزيرا الخارجية والدّفاع الإيطاليين للحكومة اللبنانية؟
الرسالة التي سينقلها الوزيران الى الرؤساء الثلاثة تتلخّص بأن إيطاليا ستبقى حاضرة في هذا البلد من أجل الحفاظ على السلام والإستقرار والسيادة فيه، ونحن نعلق أهمية كبرى على دور لبنان لأنه اساسي بالنسبة الى استقرار منطقة حوض المتوسط. ولكنني أشير أيضا الى وجود مصالح إقتصادية وتجارية مهمة في لبنان، لذا سيثير الوزيران ايضا توثيق هذه العلاقات بين الشركات في البلدين. ألفت الى أن إيطاليا احتلت المرتبة الثانية في العام الماضي من حيث الصادرات من لبنان بمبلغ يصل الى 1،7 مليار دولار بعد الولايات المتحدة الأميركية، هذا الأمر مهم جدا لكن ينبغي فعل المزيد. وسيتكلم الوزيران أيضا عن وضع قوات «اليونيفيل» وعن الوضع في المنطقة، وتتمنى إيطاليا أن تتوصل التحقيقات الجارية ( في شأن الهجمات التي تعرضت لها القوات الإيطالية والفرنسية في العام الماضي) بأسرع وقت ممكن الى نتائج ملموسة، ونحن قلقون حيال هذا الموضوع.
هل أثرتم موضوع التحقيقات مع المسؤولين اللبنانيين؟
نعم، لكن ينبغي انتظار نتائج التحقيقات المستمرة، ليس الأمر سهلا لكن لدينا ثقة بالمحققين اللبنانيين، مع التشديد على ضرورة القبض على المذنبين الذين قاموا بهذه الهجومات.
هل لديكم قلق من تحول «اليونيفيل» الى صندوق بريد لتبادل الرسائل في ظل ما يحدث في المنطقة؟
لا يجب أن نخاف البتة. أعتقد أن «اليونيفيل» تلعب دورا مهما في الحفاظ على السلام لا سيما في الجنوب اللبناني، والسكان هناك يدعمونها، من الطبيعي أن تنوجد في ظروف مماثلة جماعات مستفزة وغير مضبوطة، لذا من الواجب أن نكون يقظين ومحترسين، وهذا يتم بالتعاون الوثيق مع السلطات اللبنانية لتجنب أي هجوم أو تهديد يطال «اليونيفيل»، كما اذكر بأننا موجودون هنا بطلب ورضى الحكومة اللبنانية.
هل من علاقات بينكم وبين «حزب الله»؟
إن « حزب الله» هو جزء من الحكومة، ولدى إيطاليا مشاريع عدة مع وزارة الزراعة اللبنانية، أكثر من ذلك فإن هذه المشاريع تديرها منظمات إيطالية كاثوليكية غير حكومية.
طاولة الحوار أساسية
كيف تنظرون الى عودة الحديث عن طاولة الحوار؟
نحن مشجعون جدّا لعودة طاولة الحوار وليس لاستخدام السلاح والعنف، وهذه الطاولة قادرة على إرساء نقاش لا يمكن أن يقيمه البرلمان. ونحن نثق بقدرة رئيس الجمهورية على إدارة هذا الحوار.
هل من مشاريع لشركات إيطالية للإستثمار في قطاع النفط؟
الواقع أنه توجد مصلحة لشركات إيطالية في هذا المضمار لكن لا يزال مبكرا الحديث بالتفصيل عن ذلك وخصوصا أن المراسيم التطبيقية قد أقرّت حديثا، وقد حصلت إتصالات في هذا الشأن.
هل إيطاليا قلقة على مصير المسيحيين في لبنان وسوريا؟
نحن قلقون على مصير المسيحيين ليس فقط في العالم العربي ولكن في نيجيريا أيضا حيث يتم الإعتداء عليهم من قبل جماعات أصولية متطرفة. إن إيطاليا متمسكة جدا بالحوار بين الأديان، ونحن متيقنون أنه يمكننا أن نعثر مع الإسلام على أشكال حوار تستطيع أن تعزل بعض الجماعات الصغرى المتطرفة والتي لا تمتّ بصلة الى الإسلام.
وأشير الى ان قلقنا على المسيحيين لا يعود الى وجود غالبية مسيحية في إيطاليا، بل لأن المسيحيين يشكلون اليوم عامل إستقرار في منطقة الشرق الأوسط ولبنان وهذا ما يقوله الكثير من القادة المسلمين اللبنانيين.
هل تخشون حدوث حرب أهلية في سوريا؟
نحن قلقون جدا مما يحصل في سوريا حاليا، ونتمنى أن تتوقف المواجهات وأن تتحقق الإصلاحات التي يريدها الشعب.
أيدت إيطاليا رزمة العقوبات الجديدة ضدّ إيران، ألا تتخوفون من نتائج عكسية لهذه العقوبات؟ كأن تتسبب بحرب مثلا علما بأنكم تستوردون 13 في المئة من النفط من إيران؟
إن هدف العقوبات هو الوصول الى المفاوضات والحوار. لم ننطلق في قرارنا من إستيرادنا للبترول بل انطلقنا مع شركائنا الأوروبيين من ذهنية أن تتمكن هذه العقوبات من تجنيب أزمة كبرى. فالمطلوب هو السلام والحوار. لدينا ما يكفي من الحروب في المنطقة وأتمنى أن نجتاز هذه الأزمة.

