صفّقت الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج وهلّلت، ظناً منها أن التغيير من الديكتاتوريات الحاكمة إلى الديمقراطية فالدول المدنية آتية لا محالة. وأن «الثورة» التي أشعل فتيلها الشباب في تونس ومصر منتصرة وسيبزغ على إثرها فجرٌ جديد عنوانه انطلاقة نحو التمدن والتطور والحرية.
لكن رياح التغيير لم تأتِ كما اشتهت سفن الثوار، حيث حصد ثمارها الإسلاميون من إخوان وسلفيين ومن يناصرهم، فضاع حلم الشباب الأبطال وانتقلت هذه البلدان من الحكم الحديدي والديكتاتوري إلى دول دينية.
وفي استعراض سريع لـ«المشهد الثوري» خلال عام 2011 يمكننا أن نفنّد ما يلي:
في تونس، شباب أحرقوا أنفسهم (بو عزيزي)، واشتعلت الثورة، ورحل «زعبع»، وأتحفنا كبار الثوار من على شاشة «الجزيرة» أنهم «هرموا» قبل أن يروا هذا المشهد، لكن المشهد، سرعان ما انقلب على الشعب التونسي، فضاعت الآمال، وحصد الإسلاميون في النهاية ثمار الثورة.
وفي المغرب، قام الملك محمد السادس ببعض الإصلاحات رغبة منه في الحفاظ على عرشه، فكان ان استطاع الإسلاميون أيضاً قطف ثمار هذا الإصلاح ودخلوا إلى الحكم.
وحصل الأمر نفسه في ليبيا، مع اختلاف بسيط، وهو أن الإسلاميين في طرابلس الغرب وبلاد عمر المختار، استعانوا مباشرة بقوات حلف شمال الأطلسي، وقضوا على حكم القذافي الحديدي، وتسلّموا الحكم من بعده.
وفي مصر، التي كان الظن والاعتقاد بأن التغيير التاريخي والحقيقي في العالم العربي يبدأ منها، خطف الإسلاميون ثورة الشباب الأحرار، وسطوا عليها متعاونين في ذلك مع المجلس العسكري، كما مع الأميركيين.
أما في البحرين، فتعتيم ما بعده تعتيم، مواطنون محتجون يُقتلون يومياً، من قبل النظام و«درع الجزيرة» وفي الأردن، تعتيم أيضاً على ثوراتٍ طالبت بإسقاط الحكم، فغنمت بإسقاط الحكومة، أما في اليمن، فقد نجح علي عبد الله صالح في قطف المبادرة الخليجية ـ السعودية، لكن في الوقت عينه، يبدو أن «الأصولية الإسلامية» في طريقها إلى الحكم في هذه الدول الثلاث. أما سبب وصول هذه الأصولية إلى مقاليد الحكم في دول شمال أفريقيا، والبحرين والأردن واليمن، فهو، ومن دون أدنى شكّ، إرادةٌ غربية أميركية وصهيونية، في تغيير وجه هذا الشرق، ليتسنى لها رسم شرق أوسطها الجديد القائم على الفتن المذهبية والطائفية، والاقتتال في البيت الواحد، لتتربع «إسرائيل» على عرش هذا الشرق الأوسط من جهة، وتستفيد أميركا من نفطه ومقدراته مباشرةً من جهة أخرى، خصوصاً أنها تعاني أزمة إقتصادية حادة.
سورية وحدها شذّت عن القاعدة في الحراك المفتعل، وفي «الربيع» الكاذب الذي أطلق نسائمه برنار ليفي، والمحافظون الجدد. ففي سورية شعبٌ يحب رئيسه، ويريده، ويريد إصلاحاتٍ منه كان قد بدأها منذ توليّه الحكم بعد رحيل الرئيس حافظ الأسد. حينها وصف عهد الدكتور بشار بعهد الحداثة والتطوير.
من يمكنه أن ينسى سورية المكتفية ذاتياً في مجال النفط والزراعة وبعض الصناعة؟ من يمكنه أن ينسى أن عهد الدكتور بشار الأسد شهد تصنيع سيارة «شام»؟
ومن يمكنه أن يتجاهل المؤتمرات الكبيرة التي شهدتها دمشق في عالم الصناعة والإلكترونيات والبرمجة؟
كل ذلك يشير إلى أن الرئيس بشار الأسد لم يكن ديكتاتوراًُ قط، بل كان يعي مصالح شعبه وبلاده. لذلك، كان واضحاً جداً حجم المؤامرة التي كانت تتعرض لها سورية مع بدايات الحراك العربي، وكان واضحاً جداً أن المطلوب ليس النظام، ولا إسقاط الرئيس بشار الأسد وحسب، بل إيقاع الشعب السوري كلّه في آتون الفتنة الطائفية والمذهبية والاقتتال الداخلي.
أما الدليل، فواضح وضوح الشمس، حيث اجتمعت قوى العالم الاستعمارية جميعها، ومعها أذنابها في الداخل السوري وفي لبنان والخليج، على تغذية هذه الفتنة وهذه المؤامرة.
هل يمكن لأميركا أن تنكر ما قالته وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون عن دعمها بالسلاح لمجموعات في سورية؟
هل يمكن لسعد الحريري أن يفسّر حبّه المفاجئ للشعب السوري، وهو (الحريري) الذي مارس العنف والاجرام ضد هذا الشعب قبل سنوات بإيحاءات أميركية حين قتلت أميركا والده، فوجّه الاتهام مباشرة إلى سورية قيادة وشعباً وجيشاً، وفبرك شهود الزور وما إلى ذلك؟
هل يمكن للغليون أن يسحب كلامه عن إعادة النظر في علاقات سورية مع المحيط والمقاومة وهو الذي يُمنِّي النفس بالوصول إلى الحكم؟
بعد هذا العرض البانورامي، على الشعوب التي خُدعت بـ«الربيع» الكاذب عام 2011، أن تراجع ذاتها ومصالح بلادها، وأن ترسم خيوط الثورة الحقيقة، التي لها بوصلة واحدة، هي القدس، فهل يمكن أن يشهد عام 2012 ربيعاً حقيقياً عنوانه تحرير فلسطين؟

