في الشمال (وادي خالد) قتل ثلاثة لبنانيين برصاص قوة من حرس الحدود السوري توغلت داخل الاراضي اللبنانية.
في الجنوب (صور) جرى تفجير احد المحال من «مجهولين» لمنع احياء حفل ساهر احتفاءً برأس السنة.
في الشرق (عرسال) استمرت المبارزة السياسية بـ «القاعدة» في ضوء مواقف مثيرة لوزير الدفاع اللبناني.
في الغرب (بيروت) جلسة لمجلس الوزراء أعقبها غداء وداعي لـ 2011 طبقه الرئيسي كان الاهتزاز الامني.
وفي الجهات الاربع هاجس واحد هو «الشظايا» السياسية والامنية المتطايرة من «الانفجار» السوري الذي دخل عصفاً جديداً مع «الممر الاجباري» الى مجلس الامن عبر مهمة المراقبين العرب، وما يحاك في الكواليس الديبلوماسية من سيناريوات لتسويات خلاصتها عبور سورية الى مرحلة ما بعد النظام الحالي للرئيس بشار الاسد.
رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، صديق الاسد «حتى إشعار آخر» يفاخر بـ «الخيار السليم» لحكومته في «النأي بالنفس» عن احداث سورية، التي لم تنأَ بلبنان عن مخاضها اللاهب بدليل مصرع ثلاثة لبنانيين ليل اول من امس برصاصها بعد توغل احدى وحداتها العسكرية الى المقيبلة في وادي خالد.
هذه الاستباحة السورية تزامنت مع استمرار الضجيج السياسي الذي أحدثته «معلومات» وزير الدفاع فايز غصن عن تسلل عناصر من «القاعدة» من عرسال البقاعية الى سورية وكأنه اراد ان «يبيح» عملاً ما ضد هذه البلدة اللبنانية التي كانت دفعت قتيلاً و7 جرحى من جراء الانتهاكات السورية.
وعلى وقع مظاهر تراخي حكومة ميقاتي امام ما يجري وتمادي سورية في انتهاكاتها، يرتفع صوت «14 آذار» وزعيمها سعد الحريري الذي تحوّلت «تغريداته» عبر الـ «تويتر» اشبه بصراخ، وهو طالب ولأول مرة بتشكيل قوة مشتركة عربية ـ تركية للتخلص من النظام السوري الحالي.
وكان مجلس الوزراء «الوداعي» الذي التأم قبل ظهر امس على مدى نحو ثلاث ساعات انهمك بالملفات الامنية من عرسال الى وادي خالد وصور، وانتهى بدعوة رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى اجتماع اليوم للمجلس الاعلى للدفاع لاستكمال بحث هذه الملفات (ولا سيما عرسال) وسبل مواجهتها، وطلب الحكومة تقصي الحقائق واجراء التحقيقات في انفجار صور ومقتل اللبنانيين الثلاثة في وادي خالد، قبل ان توصي القوى الأمنيّة والجيش «بحفظ الحدود بشكل كامل». وعلى وقع اعلان رئيس الحكومة قبيل الجلسة الوزارية «ان لا أدلة ثابتة عن وجود (القاعدة) في عرسال والاجهزة ستحمل الخبر اليقين»، شكّل كلام وزير الدفاع في هذا الخصوص محور ساعة ونصف الساعة من سجال دار وسط تأكيد غصن ان ما اعلنه مبني على معلومات من اجهزة امنية في مقابل اعتبار بعض الوزراء أنه لا يجوز إحداث بلبلة عبر الاعلام حول الموضوع اذا كان هناك اشخاص يؤيدون «القاعدة» في لبنان وليسوا منتمين لهذا التنظيم، رافضين زج لبنان في مثل هذا الملف تجاه المجتمع الدولي، ومعتبرين ان لا معطيات كافية حول ما قيل، في حين اكد وزراء آخرين وجود افراد منتمين لـ «القاعدة» في لبنان، ليطلب رئيس الجمهورية في ضوء هذ الانقسام انعقاد المجلس الاعلى للدفاع اليوم لمتابعة القضية.
وفي الملف الذي بدا «متفرّعاً» من كلام وزير الدفاع وأحد ارتداداته المباشرة على الوضع اللبناني، اطلع مجلس الوزراء على ملابسات الحادث الحدودي في منطقة وادي خالد حيث قضى اللبنانيون الثلاثة كاسر حسين الزيت وشقيقه احمد (من سكان الهيت السورية) وابن عمهما ماهر علي الزيت (من سكان المجدل في وادي خالد) بإطلاق نار ليل الثلاثاء من الجانب السوري في بلدة المقيبلة.
ووسط غضب عارم في وادي خالد التي شهدت بعد تشييع «شهدائها» تظاهرة تنديد بالرئيس السوري بشار الاسد ومطالبة نواب من كتلة الرئيس سعد الحريري بنشر قوة «الينونفيل» على الحدود الشمالية للبنان مع سورية، ارتسمت علامات استفهام حول آفاق الوضع الحدودي في ضوء «الترجمات السورية» لسياسة النأي بالنفس عن الملف السوري التي يعلن لبنان الرسمي انه ينتهجها، ولا سيما ان حادث الثلاثاء جاء بعد يومين من سقوط جريحين لبنانييْن من آل الاطرش في بلدة القاع البقاعية بنيران الجيش السوري ليل الاحد – الاثنين وبعد اقل من اسبوعين على مقتل خالد علي فليطي في عرسال.
وكان حادث المقيبلة وقع عندما توغلت عناصر من المخابرات السورية في الاراضي اللبنانية في خراج البلدة الكائنة في وادي خالد وأطلقت النار على سيارة مدنية في داخلها الثلاثة فأردتهم.
وفيما نقلت تقارير أن اطلاق النار من الاراضي السورية سجل عند التاسعة مساء الثلاثاء في اتجاه سيارة «مرسيدس ـ 300» بيضاء في داخلها ثلاثة أشخاص على معبر البني غير الشرعي في النهر الكبير بخراج المقيبلة، اكد رئيس بلدية البقيعة رامي خزعل أنّ «البلدة تعرّضت لإطلاق نار كثيف من داخل الأراضي السوريّة، ما أدّى الى قتل ثلاثة مدنيّين لبنانيّين»، موضحا أنّ «القتلى كانوا داخل البلدة وليس على المعبر»، ولافتاً إلى أنّ «إحدى السيّارات كانت متوقّفة أمام منزل مالكها وقد تعرّضت لرصاص كثيف من الأراضي السوريّة لم تُعرَف أسبابه».
وذكرت تقارير اخرى نقلاً عن شهود ان جنوداً سوريين تقدموا من معبر البني باتجاه الأراضي اللبنانية وركاب السيارة، ثم عمدوا الى انزال الجثث من السيارة وفتشوها قبل أن يعودوا أدراجهم.
في موازاة ذلك، شيّعت منطقة وادي خالد ضحاياها الثلاثة، قبل ان تنطلق مسيرة غضب من جبانة بلدة الصوالحة دعا المشاركون فيها الى التحقيق في ملابسات قتل الاشخاص الثلاثة واطلقوا هتافات منددة بالرئيس السوري وداعية الى انتشار الجيش اللبناني على الحدود مع سورية وحماية اهالي وادي خالد.
وشكّل هذا الملف محور دردشة اجراها الرئيس السابق للحكومة زعيم «تيار المستقبل» عبر موقع «تويتر» اذ اعلن أنه لن تكون هناك أي تداعيات للأزمة السورية على لبنان، مستغرباً كيف «أنّ الحكومة اللبنانية لم تعلّق على خبر مقتل ثلاثة مواطنين لبنانيين بإطلاق نار من الجانب السوري»، معتبراً أنّ ما ستقوله الحكومة على هذا الصعيد لن يكون له أيّ معنى.
من جهة اخرى، دعا الحريري لوقف المجازر التي تُرتكب في سورية، لكنّه رفض التعليق على الكلام المنسوب لرئيس بعثة المراقبين العرب حول الوضع في حمص ووصْفه له بالمطمئن، داعياً إلى «تشكيل قوة مشتركة عربية – تركية للتخلص من النظام السوري الحالي»، ومعرباً عن قلقه من «الفظاعات التي يرتكبها النظام السوري في حق شعبه والتي يجب أن تتوقف على الفور». وأضاف: «ان اتخاذ قرار في مجلس الأمن ضد سورية سيكون اما نتيجة تحول كبير في هذا الملف أو مفاجأة وفي كل الأحوال ليساعد الله الشعب السوري».
وعلى خط متصل، حمل النائب معين المرعبي (من كتلة الحريري) وزير الدفاع فايز غصن «لعدم سماع نداءاتنا المطالبة بقيام جيشنا الوطني في حماية الحدود وفي الدفاع عن مواطنيه وعن الأرض والعرض رغم الاعتداءات المتكررة على الآمنين في المنازل»، معتبرا ان «استشهاد ثلاثة شبان من أهالي وادي خالد الكرام، كان لا لشيء سوى بسبب مرورهم على طريق عام في المنطقة حيث يعملون».
وانتقد المرعبي وزير الدفاع «لعدم اعطاء الجيش الأوامر بحماية البلد»، ونصحه «بعدم كيل المزيد من الاتهامات»، وقال: «اذا كان هناك من قاعدة في المنطقة فهي من صنع نظام القتلة والمجرمين وعملائه». وختم: «بسبب انشغال رئيسي الجمهورية والحكومة عن عكار وأهلها وعلى الأصعدة كافة، فاننا نستأذنهما بالمطالبة بتوسيع عمل قوات الأمم المتحدة ليشمل الحدود الشمالية في عكار وخصوصا في منطقة وادي خالد وعرسال وحيث يلزم».
وعلى وقع هذه الاندفاعة من المعارضة، سأل رئيس الحكومة في محاولة لاحتواء تداعيات كلام وزير الدفاع عن وجود تنظيم «القاعدة» في عرسال: «ما هو تعريف القاعدة؟ هل هي تعريف لكلمة ارهاب؟ هل هناك أدلة على وجود ارتباط بين الموجودين في لبنان وتنظيم القاعدة الاساسي؟ في ليل 21 نوفمبر، دخل الجيش على بلدة عرسال بناء على معلومة عن وجود شخص في البلدة، ربما مرتبط بتنظيم ارهابي دولي، ولكن لم ترد معلومات عن وجود جماعات منظمة او تنظيم معين، وليس هناك أدلة ثابتة حول وجود تنظيم (القاعدة) في عرسال. لقد باتت كلمة القاعدة توصيفا عاما يطلق بمناسبة أو من دونها، والحديث عن وجود معلومات لا يعني انها باتت حقيقة قائمة، ولا يجوز التعاطي مع هذا الموضوع الحساس والدقيق على نحو يضر بلبنان، وبالتالي فان الاجهزة الامنية التي كلفت التدقيق في المعلومات ستحمل الى اللبنانيين الخبر اليقين».
وردا على سؤال عن الاختلاف في وجهات النظر داخل الحكومة لا سيما التباين في مقاربة ملف تنظيم «القاعدة» بين وزيري الدفاع والداخلية، قال ميقاتي: «ليست المرة الأولى التي توجد فيها أراء مختلفة داخل الحكومة. لقد وُجه السؤال الى معالي وزير الداخلية عن موضوع القاعدة فأجاب ان ليست لديه معلومات، فيما وزير الدفاع قال إن لديه بعض المعلومات من دون وجود أدلة كاملة. معالي وزير الدفاع شرح لمجموعة من الضباط المعطيات التي لديه، وطلب اتخاذ التدابير اللازمة لئلا يكون لبنان قاعدة لانطلاق اي عمليات إرهابية، ومن الطبيعي ان يتحدث وزير الدفاع بهذا المنطق».
كما لفت موقف لوزير البيئة ناظم الخوري (من فريق رئيس الجمهورية) شدد فيه على وجوب «التنسيق الأمني بين السلطات اللبنانية والسورية بشكل مكثف لحماية الحدود»، مبديا أسفه «لسقوط ثلاثة قتلى لبنانيين في وادي خالد».
ووصف الخوري «الخروق المستمرة من الجيش السوري بالخطأ الذي يتكرر»، مؤكدا «انه لا يجوز للقوات السورية ان تدخل وتطبق الأمن داخل الأراضي اللبنانية من دون التنسيق مع القوى الأمنية اللبنانية».
وعن التباين الحكومي بشأن وجود تنظيم «القاعدة» في عرسال، اعتبر «ان هذا دليل على غياب التنسيق بين الأجهزة الأمنية»، واصفا الحكومة بأنها «اتحاد وزراء ولا سياسة واحدة أو نظرة مشتركة للأمور».

