ماذا يعني فوز جمهوري بالرئاسة الأميركية؟

 
لم يبقَ سوى عام أو أقل قليلاً – على تاريخ السادس من تشرين الثاني 2012، وهو موعد إجراء انتخابات الرئاسة الأولى في الولايات المتحدة. فالمعركة تتمحور بين المرشح الديموقراطي الرئيس الحالي باراك أوباما، ومجموعة من مرشحي الحزب الجمهوري المنافس، الذين ينتظر أن ينتخب الحزب واحداً منهم. ولكن أياً كان المرشح الذي سوف يختاره الجمهوريون، فإنه مشروع كارثة شرق أوسطية.
فرغم كل الجهود التي بذلها الرئيس باراك أوباما طوال السنوات الثلاث الماضية لتصحيح الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، فإن الولايات المتحدة لا تزال حتى إشعار آخر – متورطة في حربين (العراق وأفغانستان). ولا تزال تحتفظ بمائة ألف جندي في هاتين الدولتين. ولقد فشلت في معالجة القضية الفلسطينية التي تعهدت بتحقيق تسوية عادلة لها، وتراجع الرئيس أوباما نفسه عن المواقف المعلنة التي اتخذها من هذه القضية.
ثم إن الاقتصاد الأميركي لا يزال يتعثر في مسيرته نحو المعافاة، إذ إن حجم الديون الخارجية يعادل حجم الدخل الوطني لمدة عقد من الزمن!! ونسبة البطالة تزيد على 9 في المئة، أي ما يعادل 14 مليون أميركي عاطلين عن العمل. وتؤكد استطلاعات الرأي أن ثمانية من بين كل عشرة أميركيين لا يثقون بحكومتهم!! وأن 57 في المئة يعتقدون أن أميركا تسير في الاتجاه الخطأ. وتواجه الولايات المتحدة توسعاً مستمراً في الحضور الصيني على المسرح الدولي، الى حد أن الصين تقوم الآن بما تعجز الولايات المتحدة عنه، وهو انقاذ المجموعة الأوروبية من الأزمة المالية التي قد تدفع بعض دولها الى الإفلاس. كما تواجه الولايات المتحدة استمرار التحدي النووي لكوريا الشمالية واستمرار تداعي باكستان بما تملكه من ترسانة نووية. كما تواجه احتمال بل حتمية – عودة فلاديمير بوتين الى الكرملين وانفتاح الهند عليه.
تشكل كل هذه التحديات، وبخاصة التحدي الاقتصادي الذي عجز الرئيس أوباما عن معالجته، فرصة لنجاح مرشح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ويتنافس على ترشيح الحزب خمسة من قادته، اثنان منهما من طائفة المورمون، هما ميت رومني الحاكم السابق لولاية ماساتشوستس، وجون هانتسمان. ولكن معروف عن هذه الطائفة التي أسسها في عام 1830 جوزف سميث، أنها مرفوضة مسيحياً، بل إن الكنائس الرئيسة في الولايات المتحدة بما فيها الكنيسة الكاثوليكية تعتبرها مجرد حركة دينية غير مسيحية؛ ولقد تعرضت للاضطهاد الطويل مما اضطرها الى الهجرة من ولاية ميزوري الى ولاية أوتا حيث أقامت مجتمعاً منعزلاً. إلا أنها اليوم أصبحت واحدة من الكنائس الأسرع انتشاراً.
أما الثلاثة الآخرون فإنهم ينتمون الى الحركات اليمينية المتطرفة في الكنائس الانجيلية الأميركية. وهم هيرما كاين صاحب سلسلة مطاعم بيتزا وأحد المبشرين الانجيليين، وريك بيري حاكم ولاية تكساس، وميشال باكمان.
ويعني الانتماء الى هذه الحركات الانجيلية الالتزام بالتفسيرات الحرفية للنبوءات الدينية التي تقوم على أساسها عقيدة "الصهيونية المسيحانية" في الولايات المتحدة. وتقول هذه العقيدة إن الكتاب المقدس يحدد ماذا يريد الله. وإن على المؤمنين أن يعملوا على تحقيق ذلك.
وما يريده الله في مفهومهم هو توفير شروط العودة الثانية للمسيح، وفي أساسها إقامة صهيون وبناء الهيكل. ولذلك فإنهم يعتبرون أن دعم إسرائيل وحمايتها ليس واجباً سياسياً فقط ولكنه واجب ديني. وبالتالي فإن التصدي للمطالب الفلسطينية في إقامة دولة ولو على جزء من أرضهم، ليس استجابة لمصالح إسرائيل كحليف للولايات المتحدة، ولكنه استجابة للإرادة الإلهية في أن تضم صهيون كل الأرض المقدسة.
من هنا فإن وصول أي مرشح من هؤلاء الثلاثة الى البيت الأبيض في عام 2012 من شأنه أن يعيد الاعتبار الى السياسة التي اتبعها الرئيس جورج بوش في الشرق الأوسط طوال سنوات حكمه الثماني؛ ذلك أنه هو نفسه كان واحداً من أبناء هذه المدرسة الدينية اليمينية المتطرفة. وبموجب النظريات التي تقول بها هذه المدرسة كانت الحرب على العراق، وكان إجهاض كل المحاولات الدولية لمعالجة القضية الفلسطينية، وكانت الحرب على الإرهاب باعتباره والإسلام وجهين لحالة واحدة!
وهذا يعني أن نجاح المرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة قد يعيد العلاقات العربية الأميركية، والإسلامية الأميركية، الى ما كانت عليه في المرحلة السوداء من رئاسة جورج بوش الابن.
فالمرشحون الثلاثة كاين وبيري وباكمان، يؤمنون بالنظرية التي تقول "إن ما يقوله الكتاب المقدس هو الصواب المطلق". ولكن المشكلة ليست في ما يقوله الكتاب المقدس ولكن في تقويله ما لم يقله، وفي استخراج تفسيرات حرفية لبعض ما يقوله بما يخدم الحركة الصهيونية وأهدافها، سواء كانت الحركة الصهيونية اليهودية، أو الحركة الصهيونية المسيحانية. ولذلك فإن الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية وكثيراً من الكنائس الانجيلية داخل الولايات المتحدة وخارجها ترفض هذه التفاسير للنبوءات الدينية وتعتبرها مناقضة للمسيحية من حيث الشكل والأساس.
ولا يقف خطر هذه الشخصيات عند هذا الحد، ولكنه يشمل قضايا أميركية داخلية تتعلق بصيغة التنوع الديني في الولايات المتحدة. ويعتقد هؤلاء أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة أرادوا أن تكون الدولة دولة مسيحية وللمسيحيين حصراً. وإن وجود أديان أخرى مرفوض من حيث المبدأ. والمفهوم الديني لدى اليمين الانجيلي الأميركي هو أن المسيحية هي الانجيلية فقط. ولذلك فإنهم ينظرون بقلق للكثافة الكاثوليكية المتزايدة من جراء هجرة المكسيكيين وكلهم كاثوليك الى الولايات المتحدة. وبالنسبة اليهم فإن الخطر الذي تمثله هذه الهجرة لا يتمثل في البعد الاجتماعي أو حتى العنصري، ولكنه يتمثل في البعد الديني في الأساس.
ويشمل هذا الموقف أيضاً العلمانيين اللادينيين في الولايات المتحدة وإن كانت نسبتهم الى عدد السكان ضئيلة. إلا أنهم يرفعون شعارات حقوق الإنسان، بما فيها حرية الإجهاض، والشذوذ الجنسي.
ويعني وصول مرشح الحزب الجمهوري الى البيت الأبيض إعلان حرب على كل هؤلاء، وبخاصة على التنوع الديني والمذهبي وعلى الحريات الشخصية.
بل إن هذه الحرب قد تصيب برامج التعليم العلمية. ذلك أن الانجيليين المتطرفين يرفضون نظرية النشوء والتطور، ويؤمنون بأن عمر الكرة الأرضية هو عشرة آلاف عام فقط، وأن الإنسان عاش والديناصورات بأمن وسلام. كما يؤمنون بتفوق الرجل على المرأة وبوجوب خضوعها له.
وتضم هذه الحركات الانجيلية عشرات الملايين من الأنصار والمؤيدين. وهم يقدرون عددهم بحوالى السبعين مليوناً. ويتعامل هؤلاء مع القادة الدينيين الانجيليين وكأنهم أنبياء يحملون كلمة الله.
وفي كتابه "فضيحة العقل الانجيلي" يصف المؤرخ الأميركي مارك نول العقل الانجيلي بأنه "كارثة ثقافية". لأنه يقصي العقل ويعطله تماماً.. ولأنه يدعو الى الإيمان الأعمى ليس فقط بالنص الانجيلي، إنما بالتفاسير وبالتأويلات التي يقول بها القادة الدينيون الانجيليون.
من هنا السؤال: أي أميركا في ظل رئاسة واحد من هؤلاء؟ وأي مستقبل لعلاقات الولايات المتحدة مع العالم.. ومع الشرق الأوسط تحديداً؟.
 

السابق
تركيا وتغيير الإستراتيجيات
التالي
14 آذار ومشروع «الخلاص الوطني»