مآزق الثورات العربية

أحد أكبر العوائق التي تواجه نجاح الثورات في العالم العربي هو اقتصاد دولها الذي اصبح مُرتهناً للخارج عبر نظام الخصخصة، فالخصخصة في الولايات المتحدة الأميركية أو دول العالم المتقدِّم تعني تنازل الدولة عن العديد من قطاعاتها وافساح المجال أمام الرساميل الخاصة لإدارتها، وتحويل هذه القطاعات إلى إدارة خاصة لا ينفي عنها صفتها الوطنية – إذ أن الملكية تنتقل من الدولة الأميركية إلى مواطنين أميركيين، فلا يُسمح مثلاً للصين أو ايران أو أي شركة أجنبية أن تقتني كهرباء كاليفورنيا أو فلوريدا أو غيرها من الولايات، فيظل رأس المال أميركياً، بينما تعني الخصخصة في بلادنا انتقال الملكية من دولة كلبنان إلى أيدٍ أجنبية كما حصل في قطاع الخليوي، أو كما يحصل في استثمار النفط من قبل شركات غربية في بلدان عربية أخرى.
علاوة على ذلك يُطبّق مبادئ المنافسة في البلدان العربية، واقتصر الانتقال من العام إلى الخاص على بضعة أشخاص لجأوا إلى الاحتكار، وضغطت الولايات المتحدة الأميركية على دول العالم لتطبيق نظريات كانت تؤمِّن لها الهيمنة الاقتصادية عبر ثالوث الحريات:
1- حرية السوق.
2- حرية التجارة.
3- حرية الاستثمار الأجنبي.
تطبيق هذا الثالوث من الحريات يتطلب الغاء دور الدول العربية الاقتصادي كي لا تقف حاجزاً أمام اجتياح الشركات العالمية، وتغطي أميركا هذا الاستعمار المقنعّ تحت عنوان «استراتيجية السلام». أي أن كل من يرفض مبدأ «حرية السوق» يُعتبر مهدّداً للسلام العالمي، في تبخير الرؤيا الأميركية الرافضة للإيديولوجيا الماركسية. وتلعب السفارات الأميركية في دول العربية دوراً أساسياً في الضغط باتجاه الخصخصة وفتح السوق المحلية أمام الشركات الأميركية من «ستارك» و«ماكدونالد» وغيرها، عدا الصناعة الرئيسية لأميركا، وهي تصدير الأسلحة المدمرة وبيعها.
ما بدأته الولايات المتحدة الأميركية في الثمانينات من القرن الماضي من عملية دمج الأسواق العالمية وإلغاء أي رقابة على المصارف بناء على نصائح خبراء مال كفرينسبان الذي غطى عمليات المصارف بإعطائها الحرية المطلقة في دون أي محاسبة بناء على نظرية ساذجة تؤكد أن من طبيعة السوق الحرة الإبقاء على التوازن والعدل في المعاملات عبر المنافسة!
بالطبع، كانت هذه النظرية مفيدةً جداً للولايات المتحدة الأميركية التي وجدت أن لديها فائضاً ضخماً من الرساميل هي في حاجة إلى استثماره في دول لا تستطيع منافسة هذه الرساميل. وهكذا بادرت أميركا إلى تطبيق نظام الاقتصاد الليبرالي وتعميمه على الكرة الأرضية، خاصة بعد دحرها الاتحاد السوفياتي، وسوقت هذا الاقتصاد على أنه الحكم المنشود لرخاء الإنسانية.
بدأ العمل بهذا البرنامج في الدول العربية متوازياً مع مكافحة المبادئ الشيوعية، فانتقال قيادة مصر من جمال عبد الناصر إلى السادات هي زلزال سياسي – اقتصادي أدى ليس فقط إلى انتقال مصر من مواجهة «إسرائيل» إلى توقيع معاهدة كامب دايفيد والاعتراف بها على حساب الحق الفلسطيني، بل حوّل الاقتصاد من إدارة الدولة الرعائية المهتمة برفاهية المواطنين المصريين إلى تدمير هذه الإدارة وإرساء اقتصاد حر غير موجّه من قبل الدولة، أوصل مصر إلى ماهي عليه اليوم من احتكار ومضاربات أثرت حفنة من الرأسماليين وبعض رموز الدولة المرتهنين للرأسمال الغربي على حساب إفقار غالبية الشعب المصري.
هذا المثال الليبرالي عُمّم على كل الدول العربية، إما بالضغط عليها أو محاربتها فخضعت من دون استثناء لنموذج يلغي دور القطاع العام ويؤدي إلى بيع ممتلكاته وبالتالي القضاء على دوره في أداء أي نوع من الحماية للمواطنين.  على عكس الدول العربية التي خسرت استقلاليتها عبر «لبرلة» الاقتصاد، افادت دول الشرق الأقصى ذات الرقعة الجغرافية والسكانية الواسعة كالصين من تحرير السوق إذ عمدت إلى تقديم إنتاج رخيص الثمن من المستحيل منافسته، أدى إلى صب الرساميل الغربية في المعامل الصينية، وانهيار الاقتصاد الأميركي الصناعي، ما خلا إنتاج الأسلحة العسكرية التي تمثل أهم صادرات الولايات المتحدة الأميركية خاصة لدول الخليج الثرية بالنفط.
اتباع سياسة الليبرالية الاقتصادية والخصخصة في الدول العربي أدت ليس فقط إلى انهيار القطاع العام كحاجة للاقتصاد القومي والوطني فحسب، بل أيضاً إلى اضمحلال الصناعات المحلية غير القادرة على منافسة البضائع الأرخص ثمناً.
المورد الوحيد الذي تعتاش منه الإدارات الحكومية في هذه الحالة هو الضرائب.
هنا، برز التناقض الذي يقضي على مقومات الوطن، إذ تتفق الحكومة مع المستوردين الذين يتعاملون بدورهم مع الرأسمال العالمي على إلغاء الضرائب على البضائع المنهمرة من كل أقاصي العالم وزيادة الضرائب على المواطنين لتغطية عجز الانفاق العام. أليس هذا ما فعله رفيق الحريري حين تبوأ السلطة عمد إلى ازالة الرسوم الجمركية على الواردات، الأمر الذي ينفع التجار ورأس المال الغربي ويقضي على الصناعة والزراعة المحليين؟

نجم عن تحرير التجارة الخارجية وتحرير حركة الرساميل التي مثلت مضمون السياسة الليبرالية اختفاء الانتاج الوطني اللبناني وازدياد معدلات البطالة وهجرة الشباب.
إن السياسة الاقتصادية في لبنان قامت بعد الحرب الأهلية على أسوأ أنواع الخصخصة إذ أدّت إلى الاحتكار لا على المنافسة، تماماً كما حصل لروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي حين عمد أهل الدولة إلى احتكار قطاعات الإدارة العامة وتملكها بدلاً من افساح المجال للمواطنين بالمساهمة فيها عبر شراء اسهمها.
من المؤسف والمؤلم أن نشاهد في لبنان كيف أن من كان يدير قطاعات الدولة حاول شلّها واضعافها كقطاعات الماء والكهرباء والاتصالات وحتى القطاع التربوي العام، بغية بهدف ترغيب المواطن بالمناداة بالخصخصة على أنه الحل الأنسب لتحسين اداء هذه القطاعات. وتصدى الوزير شربل نحاس لاحتكار كان سيزيد العبء على المواطنين أضعافاً من دون أي ضمانة لتحسّن النوعية.
في مصر، لم تغير ثورة 25 يناير النظام الاقتصادي الليبرالي الذي وضع أسسه أنور السادات، ولم تُعالج البطالة ولم تُحسّن الأجور أو ولم توزّع الضرائب بشكل عادل، بحجة أن أي ضرائب على رأس المال ستؤدي إلى هرب المستثمرين، بينما الحقيقة المرة هي أن هؤلاء المستثمرين يلحقون الضرر باقتصاديات الدول العربية لأن نشاطهم لا يعد في القطاع الزراعي أو الصناعي أو خلق فرص عمل جديدة، بل هو مجرد متاجرة خاصة في قطاع العقارات.
قد يتصاعد معدل النمو، إلا أن ذلك لا ينعكس على معدّل البطالة لأن فئة قليلة العدد هي المستفيدة من حركة الاستيراد والسياحة، فعشيّة ثورة المصريين اقترب معدّل الفقر من 40% وبطالة الشباب 26%، خاصة الذين يحملون الشهادات الجامعية، إذ لا اقتصاد وطنياً متوافراً لاستيعابهم.
أما سورية فلم تبادر إلى تبني سياسة حرية السوق إلا حديثاً، أي منذ عام 2005، وقاومت لسنوات عديدة الضغوط الغربية لتغيير نمطها الاقتصادي. ولسوء الحظ فإن غالبية دارسي الاقتصاد أمّت الجامعات الغربية الخاصة التي تعلّم آليات حرية السوق على أنها طريق المستقبل، لكن ما تغفل عن قوله هذه الجامعات أن هذا النمط قد يناسب اقتصاد دول كبرى، إلا أن دولاً صغيرة كدول البلدان العربية ليست قادرة على المنافسة، بل إن فتح مجالها يعني انهيار اقتصادها الوطني. وقد تبرز طبقة من الأغنياء الجدد من جراء تركيز النمو على التجارة والمال والعقارات والخدمات، غير أن الاقتصاد المستقل في الزراعة والصناعة يَنْحو باتجاه التراجع.
في كل من سورية ولبنان ارتفعت أسعار الأراضي ارتفاعاً جنونياً، وتم شراء أراضٍ بأسعار بخسة ثم أعيد بيعها بأسعار باهظة جراء بالمضاربات العقارية، وبدا هذا النشاط كأنه نموّ، إلا أنه في الحقيقة خراب للمواطنين السوري واللبناني لم يعد بامكانهما ايجاد موطئ قدم للسكن.
إن اعتماد الخصخصة أدّى إلى رفع الدعم عن مواد أساسية، ذلك أن القطاع العام بعد تخصيصه يعجز عن دعم الطاقة والمازوت والأسمدة الكيميائية والمبيدات الزراعية كما كان يفعل سابقاً، ونتج عن ذلك اهمال القطاع الزراعي من قبل الفلاحين وهجومهم على المدن. ترافق مع ذلك الغاء الدعم عن السكر والزيت والطحين وهي مواد أساسية للعاطلين عن العمل الذين ازدادت اعدادهم نتيجة الانفتاح التجاري مع اسواق عالمية منها التركية والعربية وإقامة مناطق تجارة حرة أدت إلى اغلاق العديد من المشروعات الصغيرة غير القادرة على المنافسة.
هذه العوامل الاقتصادية قادت الطبقات الشعبية، المشاريع خاصة في الأرياف، إلى الانفجار.
حالما يحصل هذا التململ والحراك الاجتماعي في الطبقات الشعبية تبادر الولايات المتحدة الأميركية إلى احتوائه عبر توجيه الحقد باتجاه النظام الذي لا تريده، فتحاول الغاءه والغاء دوره السياسي – الاقتصادي والسيطرة على زمام الأمور. علق الصحافي في جريدة «نيويرك تايمز» طوماس فريدمان قائلاً إنتحرير الرساميل يسمح لأميركا بأن تعتقل أزمة مالية في أي بلد من البلدان النامية، ويساهم كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولة في رفض هذا الاتجاه إذا يجبر أي دولة تريد الاقتراض على قبول الخصخصة وتحرير الرساميل!
هذا بالفعل ما حصل في العراق، فما ان احتلت الولايات المتحدة الأميركية هذا الوطن أعطت الأولوية للسيطرة على اقتصاده، إذ أعلن يومذاك الحاكم الفعلي للعراق، بول بريمر، في جريدة «واشنطن بوست» أنِ هدف اميركا خصخصة كل مرافق الدولة وإفهام العراقيين أن أيام اعتمادهم على دعم الدولة العراقية لهم قد ولَّت إلى غير رجعة.  

السابق
وهبي:التهدئة بالتعاطي المسؤول مع دور المجلس النيابي الموقف العربي سيتجه الى التصعيد استجابة لآمال الشعب السوري
التالي
lenses خطر على البصر