(إلى الشهيد مينا دانيال ورفاقه)
النيران المشتعلة، هنا وهناك، على كورنيش ماسبيرو. المدرعات وهي تدهس المدنيين العُزل وتسير فوقهم. جموع مواطنيك ممن يتفادون، صارخين بهلع، عربات الموت. إطلاق النيران وسط الهتاف والعويل. ضباب كثيف يمنعك من الرؤية بوضوح دون أن تعرف أهو ناتج عن الدخان، أم عن الدموع التي غطت وجهك وكادت تخنقك، أم فقط عن عماء مؤقت سيطر عليك، رافقه شحذ لحواسك الأخرى.
كل هذا أعادك إلى جمعة الغضب. إلى: رائحة الحريق وقنابل الغاز، العنف الهمجي لأجهزة من المفترض بها أن تحمي الناس لا أن تحصد أرواحهم، ومسؤولين مستعدين للمقامرة بمستقبل البلد وأمنه والدوس على رقاب البشر وحقوقهم من أجل البقاء في السلطة.
رغم كل مشاهد العنف الدموي التي اختزنتها ذاكرتك لجمعة الغضب، كانت رؤيتك لمدرعات الجيش وهي تنزل شوارع مدينتك هي اللحظة الأقسى التي أوجعت قلبك بعمق. شعور مؤلم داهمك، استحضر جملة قرأتها قديماً، ولا تتذكر مصدرها، مفادها أن كل جندي هو قاتل مؤجل.
فاجأتك فرحة رفاقك بمدرعات الجيش وثقتهم فيه. تمنيت أن تكون مخطئاً، وقرأت الخطوة على أنها إعلان واضح عن سقوط شرعية نظام مبارك. الآن، بينما يُدهس المشاركون في تظاهرة الأقباط في ماسبيرو، تشعر أن الانزلاق إلى هذه الخطيئة البشعة إعلان عن سقوط "شرعية" المجلس الأعلى للقوات المسلحة المشكوك فيها أصلاً منذ البداية.
انتزع المجلس "شرعيته" بتأكيده المتكرر على أن القوات المسلحة لم ولن توجه رصاصة واحدة نحو أحد المصريين، وبما أنها أراقت دماءهم على أسفلت الشارع وقتلتهم عن عمد، وساهمت – عبر الإعلام الرسمي – في التحريض الطائفي، فلا مجال لمواصلة التباهي بهذه الشرعية المدعاة. الفعل الوحيد المقبول هو التحقيق الفوري في هذه الجريمة ومحاكمة كل المسؤولين عنها بلا تباطؤ.
بينما تتأمل باكياً صور الشهداء الغارقين في دمائهم بالمستشفى القبطي، تذكرت أنك، بحدس غريب عليك، صرت تتوقع المصائب قبل حدوثها. ليس في الأمر قدرات تنبؤية مزعومة، إنما فقط سوء نية طارئ يدفعك لقراءة ما تقابله على وجهه الأشد قتامة. هكذا، لم ترَ في العروض الجوية الصاخبة، احتفالاً بذكرى حرب أكتوبر، إلاّ مقدمة لتطورات مشؤومة.
كانت الطائرات العسكرية تحتل سماء القاهرة في استعراضات مدوية. لم تحاول حساب الكلفة المادية الباهظة لهذه الكرنفالات المنتشية بقوتها في بلد يصرخ مسؤولوه وإعلامه في وجهك ليل نهار أنه على وشك الإفلاس بسببك. ولم تتطلع إلى السماء، كلما حلقت التشكيلات فوق رأسك، ولو بدافع فضول تعتبره من سماتك المميزة. تذكرت فقط طائرات الـ إف 16 بصوتها المخيف، وهي تمشط السماء فوق ميدان التحرير والمدينة كلها يوم 30 يناير. بدت وقتها طائرات معادية، سوف تنقض عليك بعد قليل.
إنتابك إحساس مبهم – وأنت تحاول جاهداً تجاهل العروض الجوية المدوخة – بأن جنرالات المجلس العسكري، بعد أن فشلوا في إدارة "الأرض" يهربون الآن لاستعراض قوتهم في قلب السماء. يخرجون ألسنتهم لإغاظتك واللعب بأعصابك المحروقة. يستعرضون قوة مفرطة قد ترغب لاحقاً في التعبير عن نفسها بطرق أوضح وأعنف. وهذا ما حدث بعد أيام قليلة.
منذ بداية التظاهرة بدا جلياً الإصرار على وسمها بالطائفية والتعصب، وتصوير الأمر على أنه اعتداء من الأقباط على الجيش. تغطية التليفزيون المصري للأحداث كان همها الأول التحريض ضد المتظاهرين، بل ومطالبة "المواطنين" (المقصود بهم المسلمين طبعاً) النزول لحماية الجيش! شريط الأخبار يخبرك أن "أهالي بولاق يدافعون عن الجيش، ويشتبكون مع الأقباط، ويجبرونهم على التراجع"! وأحد الجنود يصرخ أمامك، على الشاشة: "المسيحيون غدروا بنا". لم يأت التليفزيون، الرائد في نفاق كل صاحب سلطة، على ذكر سقوط مدنيين أبرياء تحت المدرعات الحاقدة، وادعى وجود قتلى بين قوات الجيش، قبل أن يضطر في اليوم التالي لنفي هذا، وتبرير أكذوبته بتوتر المذيع!
كانوا كأنما يدفعون، بطريقة مكشوفة، إلى حافة عنف أهلي ومواجهات طائفية مميتة لأن هذا في ظنهم السيناريو الوحيد الذي قد يخرج المجلس العسكري من مأزق فشله في إدارة المرحلة الانتقالية. وما زالوا يحثون العالم حثاً على التعاطي مع المسألة على أنها فقط مواجهات طائفية بين مسلمين وأقباط، لأن هذا سيغطي على حقيقة أنها حلقة جديدة من حلقات بطش السلطة بمتظاهرين عزل يطالبون بحقوقهم المشروعة.
تؤمن أن من خرجوا للتظاهر أمام مبنى التليفزيون المصري في ماسبيرو، مصريون مثلك يطالبون بحقوقهم، التي هي في جوهرها جزء من مطالب الثورة: "عيش، حرية، عدالة اجتماعية". لا تستبعد أن يكون بعضهم قد هتف بهتافات طائفية، أو حاول الدفاع عن نفسه بعد بدء الهجوم، فهذه أمور تحدث خاصة مع الاحساس بالظلم والقهر. لكن معظمهم هتف بسقوط حكم العسكر، وتغنى بأن "مسلم ومسيحي يد واحدة". ومع هذا لم ينقل التليفزيون المصري إلا كل ما يظهرهم كطائفيين موتورين يهاجمون قوات الجيش ويعتدون على الأملاك العامة والخاصة. آداءات باتت معتادة تجاه معظم التظاهرات والمليونيات الراغبة في استمرار الثورة، لكن انعدام المسؤولية هذه المرة بلغ أقصاه، لأن اللعب بكارت الفتنة الطائفية مقامرة مجنونة خاصة في هذه الأجواء المشحونة.
لست ممن ينكرون وجود احتقانات طائفية في بلدك. على العكس من ذلك، تراها مرضاً متفشياً، تمت تغذيته على مدى عقود طويلة، ويحتاج علاجاً جذرياً يسبقه الاعتراف بوجوده، بدلاً من مواصلة الإنكار، وتكرار كليشيهات المؤامرة، القلة المندسة، والأيادي الخارجية.
"لسنا ملائكة. العنصرية بدرجاتها منتشرة في مجتمعنا، كما تنتشر في مجتمعات كثيرة" هذا ما تردده لنفسك مع كل أزمة تثار. والحل، كما تراه، يكمن في ارساء دولة القانون التي يقف أمامها الجميع على قدم المساواة. فالآن، هو الوقت المناسب للاصدار الفوري لقوانين: دور العبادة الموحد، مناهضة التمييز الدينى والتحريض الطائفي، واثبات تغيير الديانة أمام القضاء. لأن أي مسكنات من قبيل جلسات الصلح العرفية التي تنتهي بالأحضان والقبلات دونما محاولة جدية لاجتثاث المرض سوف تزيده تفاقماً بحيث يسود نموذج ذلك السلفي المتطرف الذي رأيته في فيديو تم تداوله بكثافة على مواقع الإنترنت خلال أزمة كنيسة مارمينا في إمبابة.
كان غاضباً، يتوعد بإحراق الكنائس، ويؤكد "ببراءة" يحسد عليها أنه والحشد الذي تجمهر معه أمام الكنيسة لم يحملوا سوى الطوب، بينما حمل من في الكنيسة أسلحة نارية. لم ينتبه هذا الشخص، الذي كان كلامه يقطر عنصرية وحقداً، إلى أن ذهابه إلى الكنيسة ومحاصرتها مع رفاقه لتحرير "أختهم" عبير، وتعديهم على دور الدولة والقانون، يدينهم قبل أن يدين أي طرف آخر. استفزك أنه، رغم كل عنفه، كان ينطلق من موقع الضحية. في ثنايا كلماته تبينت بسهولة، رؤيته لنفسه ولرفاقه كضحايا "مسالمين"، فوجئوا بأسلحة نارية تهاجمهم من الكنيسة. فكرت أنه من المستحيل اقناعه، بالنظر إلى منطقه هذا، بأن محاصرتهم لدار عبادة وتعديهم عليها جريمة تستحق عقاباً رادعاً وفورياً.
بدا الرجل كما لو كان في ساحة حرب "مقدسة". لم يكن يتكلم كفرد مستقل، إنما كترس صغير في آلة أكبر. عضو في جيش يواجه جيشاً معادياً. كلامه وضعك أمام الاستقطاب المرعب: رعايا الدولة الإسلامية – المحلوم بها من جانب السلفيين – في معركتهم ضد شعب الكنيسة.
تكتشف الآن، أنه وأمثاله، الوجه المناقض للشهيد مينا دانيال ومن يشبهونه. لم يكن مينا دانيال طائفياً كما حاول الإعلام المنافق أن يصور كل المشاركين في التظاهرة. هو أحد أبطال ثورة يناير وجنودها المجهولين. تلقى رصاصتين أثناء أيامها الأولى، طارد قناصة الداخلية، قاتل بجسارة في موقعة الجمل رغم اصابته، وحمى رفاقه المسلمين بجسده أثناء صلاتهم في ميدان التحرير. مثله مثل كثيرين، ممن خرجوا على الانتماءات الضيقة، لأنهم امتلكوا الجرأة والخيال على الحلم بمصر جديدة، آمن مينا بإمكانية بناء وطن ديموقراطي يقوم على قيم المواطنة وحقوق الإنسان، ويتقبل أفراده فكرة تنوعهم واختلافهم عن بعضهم البعض باعتبارها قيمة مضافة تعبر عن ثراء وحيوية ولا تؤدي بالضرورة إلى التشاحن والبغضاء.
قٌتل مينا بوحشية لأنه جرؤ على الحلم، وكان لديه من الخيال ما يدفعه لتحقيق حلمه عبر الثورة، بينما لم يُعاقِب أحد الموتور المحرض على حرق الكنائس. كما لم يُحاسَب أي ممن هاجموا الكنائس في أنحاء مصر خلال الشهور الأخيرة، أو من خططوا لتفجير كنيسة القديسين من رموز نظام مبارك. وكنتيجة منطقية لهذا التراخي، ها أنت تشاهد التحريض ينتقل إلى التليفزيون الرسمي في سابقة خطيرة قد تمنح الفرصة للمتطرفين من الجانبين لإشعال بلدك، وجرها إلى حرب أهلية لطالما اعتبرتها أبعد سيناريو ممكن.
تدرك أن كل ما يجرى حولك، منذ اسقاط مبارك حتى الآن، لا علاقة له بالسياسة. بل يمكن اعتباره إعلاناً تأخر طويلاً، عن موتها، وسيطرة الفوضى والارتباك. هكذا توارى المنطق، وأصبح الصراخ والتخوين هما "اللغة" السائدة.
لكن مهلاً، عليك التأكيد، المرة تلو الأخرى، بأن ما ترصده حالياً من فراغ سياسي وتخبط، ليسا وليدا المرحلة الإنتقالية. ولا نتيجة للثورة كما يحاول الإعلام الرسمي أن يصور الأمر لـ"المواطنين الشرفاء"، إنما ثمرة ستة عقود من افقار الحياة السياسية وتجفيف منابع الحيوية والتنوع.
منذ البداية، تعرف أن اسقاط الديكتاتور العجوز كان الجزء الأيسر، وأن أمراض نظامه وبؤره الخبيثة ستطفو على السطح وتنفجر في الوجوه ما أن يسقط. لكنك توقعت أن يحدث هذا في ظل تحقق تدريجي لمطالب الثورة، لا في ظل طريقة إدارة تصب – سواءً عن عمد أو عن انعدام خبرة سياسية – في صالح الثورة المضادة، وتحول المرحلة الانتقالية إلى مرحلة انتقامية من القوى الثورية ومن يتعاطفون معها. طريقة إدارة تجعل من صناعة الأزمات منهجاً لها، وما أن يقترب الوضع من نقطة الانفجار حتى يقدم المجلس العسكري وجنرالاته أنفسهم باعتبارهم البطل المنقذ على طريقة فتوات سينما الأبيض والأسود.
بتّ متأكداً، أن المجلس العسكري لم يستوعب أياً من دروس الثورة المصرية. على الأرجح، حرص على ألاّ تصله رسائلها الكثيرة على نحو صحيح. في كل أنحاء مصر، هتف المتظاهرون للحرية والعدالة والكرامة، وعلى مدى الأشهر الفائتة لم يفعل المجلس "الموقر" سوى السعي لحرمان المصريين من هذه الحقوق البديهية، واغراقهم في حلقات مفرغة تكرس استقطاباً حاداً بين التيارات المختلفة.
الأبطال الذين كبرت على سيرهم يرويها أهلك بتبجيل منذ طفولتك، كانوا في معظمهم ينتمون إلى القوات المسلحة. نشأت في مجتمع لم يكن يتخيل البطولة إلاّ في صورة بزة عسكرية. قبل أن يتم اختزال تاريخ الجيش المصري في الضربة الجوية وقائدها، كان أمثال أحمد إسماعيل، عبد المنعم رياض، سعد الدين الشاذلي، محمد عبد الغني الجمسي هم مصدر "الفخر الوطني" في بيئتك. وربما كانت ذكرى هؤلاء سبب الابتهاج العارم بنزول الجيش يوم جمعة الغضب، ومبرر توقعك لتعامل أكثر إنسانية ومسؤولية من الجيش مع المتظاهرين السلميين في ماسبيرو. توقع لم يؤيده عقلك المتشكك الأبدي في الأساطير والأيقونات المتوارثة، لكن تمناه قلبك لأنك واعٍ لخطورة أن يفقد المصريون الثقة بجيشهم أو أن تهتز هيبته في أعينهم، تلك الهيبة النابعة فقط من حمايته لأرواحهم دونما تفرقه بينهم.
غير أنك لست راغباً في استدعاء ذكرى هؤلاء الأبطال الآن، مع كامل احترامك لهم ولما قدموه من تضحيات. لسنا في زمن حرب. الثكنات هي المكان الطبيعي للعسكر لا ساحات السياسة. ألم يعترف المشير الجمسي نفسه بإن: "الرجل العسكري لا يصلح للعمل السياسي قط، وسبب هزيمتنا عام 1967 هو إشتغال وإنشغال رجال الجيش بالألاعيب في ميدان السياسة؛ فلم يجدوا ما يقدمونه في ميدان المعركة"!
تفكر في أن سعد زغلول وصحبه ممن فضلوا قيمة المواطنة على الطائفة ونجحوا في تجاوز فخاخ الفتنة التي نصبها الإحتلال الإنجليزي لهم، هم الأولى بالتذكر الآن.
لكن في هذه اللحظة بالذات يداهمك وجه مينا دانيال الضاحك. وتلح عليك صورة الشباب المصري القبطي وهم يحمون صلاة رفاقهم المسلمين في ميدان التحرير. تستعيد مجدي الإخواني الذي حررك من أسر تصوراتك النمطية الساذجة عن الإسلاميين، والذي لم يتخلف يوماً عن التواجد في ميدان التحرير حتى حين كانت الجماعة تقاطع التظاهرات. تستدعي فاطمة، سارة، ياسر، جرجس، ومئات آخرين قابلتهم دون أن تعرف أسماءهم، فيتسلل إليك الأمل من جديد بأن الثورة ستنجو من كل محاولات القتل والتشويه والجر إلى عنف دموي مجنون.

