هل تقبلون وتمنحوني الجنسية السورية؟

بعد سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي في تونس إثر انتفاضة شعبية عارمة، ثم نظام الرئيس حسني مبارك في مصر بالطريقة نفسها، كانت الشوارع السورية في ذلك الوقت تبدو هادئة، وكان النظام السوري يبدو واثقاً للغاية ويتحدث عما يجري في بقية الدول العربية كما لو أنه يحدث في كوكب المريخ، لا بل إن الرئيس بشار الأسد قال حرفياً في حديث لصحيفة «وول ستريت جورنال» في نهاية يناير هذا العام إن «استقرار سورية يعود إلى الموازنة بين الاحتياجات والإصلاح وبين العقيدة والمعتقدات والقضية».

وقد قصد الأسد أن الشعب السوري لا يتظاهر ولا يحتج ولا يثور لأنه يؤيد عقيدة ومعتقدات النظام، وهي عقيدة الممانعة، أي أن الشعب السوري لا تهمه قضية الحرية والعدالة والديموقراطية بقدر ما يهمه خطاب ممانع للغرب وخطاب يدعم المقاومة. لكن ما هي إلا أيام قليلة حتى انتفض الشعب السوري مؤكداً أن ما ذهب إليه الرئيس الأسد في تحليله كان مجرد تخيلات وأوهام، أو ربما كان كلامه يعكس خلاصة ما كانت المؤسسات الأمنية ترسله له من تقارير عن تفكير وموقف الرأي العام السوري. وهي بذلك أثبتت أنها كانت أيضاً بعيدة كل البعد عن نبض الشارع وحركته وما يفكر فيه.

ومع مرور الأيام، ومع انتشار وتوسع حركة الاحتجاجات الشعبية لتشمل غالبية المدن والقرى والمحافظات السورية، اثبتت تطورات الأحداث في سورية أن الشعب في واد ونظامه في واد آخر، لا بل ان لجوء النظام للخيارين الأمني والعسكري في التعامل مع هذه الاحتجاجات أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن لا عودة للوراء أبداً في علاقة ذلك النظام مع الشعب الذي سقط منه المئات في الشوارع خلال التظاهرات، واعتقل وعذب منه الآلاف في السجون، ونزح منه آلاف أخرى إلى دول مجاورة خوفاً من البطش والموت على أيدي القوات الأمنية والشبيحة والمجرمين الموالين للنظام

ورغم كل البطش الذي طال النساء والأطفال والشيوخ، ورغم احتلال دبابات الجيش ومقاتلي الفرقة الرابعة للعديد من المدن الثائرة، فإن تصميم الشعب وإرادته أثبتا انهما أقوى من كل آلات القتل. على العكس تماماً، فقد أثبت الشعب المنتفض أنه مصمم على المضي الى النهاية، ومصر على مطلبه في إسقاط هذا النظام الذي لم يتورع عن مواجهة المتظاهرين السلميين بالرصاص وقذائف المدفعية والدبابات.

ومع مرور أشهر على بدء انتفاضة السوريين، وصلت الى العالم صور ومشاهد رائعة عن عظمة هذا الشعب ونبله ومدى استعداده للتضحية من أجل حريته ومن أجل احلامه في دولة جديدة حرة وديموقراطية. فالشباب استمروا في التظاهرات متحدين الرصاص بصدورهم العارية، نعم غالبية الشباب كانوا عراة الصدور، وإذا ما دققتم في الفيديوات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، ترونهم قد قرروا الخروج بهذا الشكل، في إشارة الى تحديهم للرصاص واستعدادهم للموت. لقد رأيت صوراً كثيرة لمثل هؤلاء الشبان في أمكنة عديدة مثل ذلك الشارع قرب سوق الهال في حي الزبلطاني في دمشق، قرب «مجمع الثامن آذار»

ورأيتهم في «شارع النهر» في حي القابون، وفي ساحة العاصي في حماة، وفي شوارع جسر الشغور، واللاذقية، وباب سباع، وباب عمرو في حمص، وفي درعا، وأغلب القرى والمدن المحيطة بها، كما رأيتهم في القامشلي، وعامودا، وبانياس، وبنش، ومعرة النعمان، وخان شيخون… في كل مكان تقريباً.

رأيتهم وهم يخططون لافتات يوم الجمعة التي كان يعدونها من أجل التظاهر، كانوا يكتبونها على ضوء الشموع بسبب انقطاع الكهرباء، بأيد مرتجفة، يستخدمون سائل تنظيف الأحذية من ماركة «بوفالو» الرخيصة الثمن لأن الأجهزة الأمنية بدأت تدقق وتراقب محلات بيع الدهان، أو ربما لأن بعض المتظاهرين لا يملكون ثمن علبة الدهان من نوع البخاخ، لأنها غالية وسرعان ما تنفذ.

على تلك اللافتات، كتبوا أجمل الشعارات وابلغها، باللغتين العربية والانكليزية، لا بل باللغة الروسية واللغة الصينية وباللغة التركية واللغة الفرنسية، أرداوا إيصال صوتهم إلى كل العالم، كتبوا شعارات ورددوا هتافات تختصر أحلام كل السوريين وأوجاعهم وما يريدون وما يثورون من أجله «الموت ولا المذلة…»، «اللي بيقتل شعبو خائن…»، «واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد»، « يا درعا حنا معاك للموت…»، «يا حماة حنا معاك للموت…»، «الله سورية حرية وبس…»، «صمتكم يقتلنا»، «لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك»، وغيرها الكثير.

كذلك شاهدنا الكثير من الصور والفيديوات التي تظهر كيف أن الشباب في القرى المجاورة كانوا يجهزون المواد الغذائية رغم شحتها وندرتها عندهم وفي قراهم ليرسلوها إلى مدينة درعا المحاصرة، وحين تكرر الحصار في مدينة حماة، حدث الشيء نفسه تماماً حيث قام الناشطون والأهالي بجمع ما تيسر وتوفر من مواد غذائية في بيوتهم وأرسلوها إلى أهل حماة رغم كل المخاطر المترتبة عن ذلك، ولقد حصل أن قتل عدد من أهالي الصنمين، وداعل، وخربة غزالة، ونوى، وغيرها من المدن حين حاول الأهالي فك الحصار عن درعا وإيصال المساعدات الغذائية.

وفي مدينة سراقب قرب ادلب، استقبل الأهالي عشرات الأسر الهاربة من جحيم القتل في حماة على أيدي القوات الأمنية بعد اقتحام المدينة، ولقد تقاسموا في مودة وحب ووئام ما يملكون من مسكن ومشرب ومأكل وغطاء. كذلك استقبل أهالي السلمية قرب حماة، وهم من الطائفة الإسماعيلية، الكثير من العائلات الهاربة من المدينة بعد اقتحامها وقتل واعتقال المئات من أهلها. حصل ذلك وتكرر في مناطق عدة في جسر الشغور في محافظة ادلب حين هربت مئات الأسر والعائلات من الدبابات نحو القرى المجاورة في محافظة اللاذقية وإلى تركيا. لقد قدم الاهالي في قرى ادلب واللاذقية كل ما يستطيعون تقديمه لأهالي الجسر الهاربين من نيران القوات الأمنية.

في قلب مدينة حمص وبين احيائها، حصل شيء مشابه حين اقتحمت الدبابات العديد من احياءها وقتلت الكثير من الشبان فيها، وفي مدينة القصير القريبة، ضرب الأهالي، وهم من المسلمين والمسيحيين الذين يعيشون منذ مئات السنين بحب ووئام، أروع الأمثلة على الاخوة والتضامن في مواجهة بطش النظام.

كل يوم الشعب السوري يقدم قصصاً كثيرة عن نبله وأخلاقه العالية وتصميمه وتحديه لآلة الموت والقمع، فيما العالم من حوله صامت يتفرج على موته عبر شاشات التلفزة، ما عدا بعض الأصوات الحرة والشريفة التي تظهر هنا وهناك، في بعض الدول العربية والاجنبية لكنها ومع احترامنا لها، لم تصل إلى درجة أنها أجبرت حكوماتها على اتخاذ ولو موقف واحد يندد بما يتعرض له الشعب السوري.
فيما كنت جالساً في مقهى مع أصدقاء لبنانيين نتحدث عن هذه التفاصيل، اقتربت السيدة نهى وهي لبنانية وسألتني فيما عيناها تكاد تدمع بعد رؤية فيديو يصور استشهاد أحد الشبان في دمشق: «هل تقبلوا أنتم السوريون أن تمنحوني الجنسية السورية، والله أنا اتشرف بها…».

للعلم أن السيدة نهى قبل خمسة أعوام، كانت تمقت كل ما هو سوري بسبب ما ذاقه أهلها واخوتها في بيروت على ايدي القوات السورية. عفواً، قوات النظام السوري.

السابق
الراي: حزب الله ينفي تقريراً دولياً عن تورّطه بقتل جنود سوريين منشقين
التالي
وليد جنبلاط !!!