لا يظهر بوضوح مدى استيعاب اللبنانيين للمتغيّرات العربية. لم تبدّل القوى السياسية شعاراتها وخطاباتها ولا وسائلها. هناك أمر واحد ملحوظ يتمثل في التحفّظ ومجانبة الخوض في أحداث سوريا. بقدر ما هو إيجابي أن لا يتورط اللبنانيون لأي فريق انتموا في هذه الأحداث بقدر ما هو سلبي إغفال تداعيات هذه الأحداث على لبنان. يبدو ان معظم اللبنانيين يجهلون الكثير من المعطيات عن سوريا. كان هناك الكثير من الاعتبارات أو الأسباب التي تمنع حتى الفضول المعرفي فضلاً عن الإجراءات التي تمنع المعرفة أصلاً. فاجأتنا الحواجز السياسية بين العرب حتى تفاجأنا بأن الشعوب تحمل همّاً واحداً مشتركاً صار أقصى همومها: الحرية والكرامة الإنسانية. اعتدنا حال التهميش السياسي حتى خرجت الناس تطلب ما هو بديهي جامع فصارت الثورات العربية لغزاً لأن الجمهور يصنع جديداً في مقابل فكر عتيق. لكن الأهم أن زمناً عربياً بدأ يطوي عصراً مديداً من الركود أو من التاريخ الذي يدور على نفسه ويعيد إنتاج ظواهر الاستيلاء على السلطة وتصنيمها وتأبيدها وتقديسها على حساب الشعوب وطموحاتها وفاعليتها. هذا الحدث التاريخي لن يكون مجرد شرارة في سماء الشرق تلمع وتنطفئ. ما يحصل في ميادين العرب ومدنهم وقراهم وشوارعهم وكل أشكال حراكهم هو فعل ينتج ثقافة سياسية غير منحولة وغير منسوخة عن أي نموذج ولا عن أي تصور سابق. لا تصمد العقائد كلها ولا الأحزاب أمام هذا الفائض من النشاط السياسي لجمهور لا يطلب مدناً فاضلة وليس لديه مخططات جاهزة بقدر ما هو يسعى إلى إزالة ظلم ورفع غبن وتأكيد حضور. ولأن الزمن العربي تخلّف عن هذه البديهيات صارت الثورة ثورة لأي فئة اجتماعية أو مرجعية ثقافية ينتمي أصحابها. لن ينجز العرب غداً مهام تراكمت ولن يحلوا مشكلات مزمنة أو يغيّروا مسارات تحتاج جميعها إلى فعل إنساني لا معجزات سحرية. لكن العرب بدأوا من مكان ما بعجرهم وبجرهم وبخليط مكوناتهم حركة نحو مواجهة مصائرهم بوصفهم جمهوراً لا رعايا في مملكة هذا أو ذاك من الحكّام. اكتساب هذه الصفة هو المقدمة الضرورية غير الكافية من أجل الصراع على خيارات أساسية مهمة ولكن لاحقة تتعلق بالاقتصاد والتحرير والوحدة وغيرها من الخيارات. ليس هذا الترتيب عملاً من أعمال الفكر بل من أعمال الواقع. كل قضايانا المعلّقة أو غير المنجزة انحدرت من واقع الإقصاء الذي طاول الشعوب، والتهميش الذي طاول الجماعات أو الفئات، ومن أنظمة الامتيازات التي أقامت نفسها حارسة على السجن العربي الكبير. مثل هذا السجن توزع على مخافر في الأمة لحراسة التجزئة على الحدود، ولحراسة المصالح الخارجية، ولحماية ثقافة الطاعة والوعي الزائف المحوِّر لأسباب الفشل في التقدم الاجتماعي وفي الكرامة الوطنية والقومية. ينهار المسرح العربي، وينهار الهيكل العربي بكل ما يجر من آلام، لكن اختصار المعاناة الرهيبة هو مسؤولية تكاد تكون شاملة كل من له إمرة أو قوة أو فاعلية في المجتمع.
تعرّب لبنان بالمعنى السلبي من باب إخضاعه لسقف النظام الرسمي العربي. ما كان مؤهلاً له في نهاية القرن الماضي من تقدم جرى الانقلاب عليه. عاش لبنان ازدواجية قاتلة من التخلّف في نظامه السياسي ومن عناصر القوة في مجتمعه. لبنان اليوم دستوره في مكان ونظامه السياسي وواقعه في مكان آخر. صمود شعبه تجاه كل الأزمات والضغوط في الداخل والخارج عظيم أمام ضعف قيادته السياسية وهشاشتها وانتهازيتها ولا مسؤوليتها عن حل تلك الأزمات. ثمة حقيقة راهنة ان لبنان يمكنه ان ينعش ثقافته الوطنية والديموقراطية وأن يزيل تشوهات نظامه وأن يستعيد دوره في تمدين الحياة العربية وتحديثها. إذا كانت شعوب العرب تضج بمطالب الحرية والديموقراطية والتغيير فاللبنانيون ليسوا خارج هذا السياق حيث كان مجتمعهم دائماً أقوى من دولتهم وحيويتهم أقوى من أطرهم السياسية. لا تعكس الحياة السياسية هذا الوجه من لبنان لكن المفاجآت العربية لا تستثني هذا البلد ولا تتركه خارج السرب. فعلاً ليس من حق اللبنانيين أن يقدموا للآخرين النصح أو الإرشاد فلديهم من الواجبات ما هو كاف إذا أنجزوها أن يسهموا في هذه النهضة العربية وفي استدراك عناصر الخلل غير البسيطة في انطلاقتها. قد يكون ما نرتجيه لا يتفق مع تجذر البنية الطائفية وما تعنيه من استبداد وامتيازات حتى صار النظام أقوى من الشعب والدولة أضعف من الاثنين معاً، لكن هذا الحال ليس عصيا على التغيير إن لم يكن من تفجّر أزمته أو من تداعيات الخارج عليه. فلا يمكن لبنان ان يمارس «خصوصيته» أو انعزاله الذي يتخلّف عن ما تفيض به حركات التغيير من حوله. لبنان محكوم بالتغيير إما بالتبعية للنظام الإقليمي وإما بالانفجار تحت وطأة الفوضى الإقليمية. فهل تحصل مراجعة سياسية لاتخاذ خيار وطني طوعي في التغيير أم سيكون مجرد نتيجة لما يفرضه الخارج كنظام أو فوضى!؟

