هاني فحص: وُلدت الى جانب شتلة التبغ وراديكاليتي حصنتني من خيانات كثيرة

في عام 2006 اجرت مجلة "شؤون جنوبية" مقابلة مع السيد هاني فحص، قدم خلالها شهادة من نوع استثنائي، نعيد نشرها اليوم في مناسبة الاعلان عن جائزة هاني فحص لهذا العام من اجل قراءة جديدة لهذه الشهادة.

تحت عمامة العلامة “السيد” هاني فحص يقبع رجل دين مختلف، سيد “غير مسكون بمشروع أيديولوجي” بين المسجد والأدب والحوار توزعت مسيرته الحافلة التي رواها في لقاء خاص مع “شؤون جنوبية”، تحدث فيه عن تكوينه السياسي ونضاله المطلبي وعلاقته باليمين واليسار، وبالثورة الإيرانية والمقاومة الفلسطينية والمجلس الشيعي.
كما تطرق الى الحركات الجهادية، لا سيما الشيعية منها ، والعلاقة بين شيعة الجنوب وشيعة العراق.
(عدتُ من النجف أول عام 1972 إماماً لمسجد قريتي جبشيت، وقررت من البداية أن أكون شريكاً للمأمومين لا حاكماً عليهم . ولم يشكل وجودي اليومي بينهم في المسجد في مواعيد الصلاة حصاراً لي يبعدني عن المصلين الذين يصلّون فرادى في منازلهم، ولا عن الذين لا يصلون. وأنا أعرف انهم يدركون ويقلقون لأنهم مخالفون أو مختلفون. أما إيمانهم بالله والدين فهو عميق وجاهز للظهور بوضوح في المحطات، في الموت والحزن والفرح وشهر رمضان والعيد وموجبات الخير والإحسان.. وقررت من أجل تعزيز الشراكة أن لا أكون معلماً لهم فقط، بل متعلماً منهم أيضا. من هنا كنت أشجع فيهم السؤال، وعندما أعِظهم أمدّ يدي الى جيوبهم ، الى قلوبهم، الى ذاكرتهم، الى يومياتهم في الحقل وفن الزراعة والتعاون في المواسم. أفتح لهم من حسابهم باباً على الفكر والقيم الدينية، التي هي في المحصلة قيم إنسانية يعيشونها من دون أن يكون وعيهم المعرفي بها تاما..

اقرأ أيضاً: العلامة السيد محمد حسن الامين في رثاء الراحل السيد هاني فحص

بين الجامع والمسجد
بعد أشهر أحسست أن لذّتي بهذا المسلك الودود مع الناس قد تستولي عليّ وتقلل من حيويتي، التي كان للنجف (الحوزة الدينية)، القائمة على الحرية الى حد الفوضى أحيانا، أن تطلقها الى حدّ أني كنت أقرب الى الشغب مني الى الانتظام أو الإذعان، على أودمة وشفافية وعفوية وجنوح الى التقوى من دون مرافعات يومية، فكان لا بد لي أن أفتح ثغرة في جدار المسجد، أي أن أوسع مسجدي. أن أغلّب صفة الجامع على صفة المسجد. ولأني من الأساس كنت قد شعرتُ وعرف فيّ الآخرون نزوعاً أدبياً يطلّ على الاجتماع والسياسة ولا يفرق، وجدت أن فضائي الملائم هو المساحة المشتركة بين الصلاة والصوم وعاشوراء والموعظة اليومية وبين النشاط الأدبي.. وكانت أسماء واعدة قد طرقت أذني آتية من عذابات جنوبية وفلسطينية، ومن لغة عربية غنية عاشقة ومعشوقة ، ومن ثقافة عربية تطل على الآخر لتعود الى الذات، محملة بجدل الاختلاف والتكامل والحفاظ على المكونات من دون الوقوع في أتون الهوية الحارقة.. محمد علي شمس الدين وشوقي بزيع ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن زبيب وياسر بدر الدين وحسن العبد الله وحمزة عبود والياس لحود وغيرهم .. وأسسنا منتدى أدباء الجنوب، وعلى مدى سنة من عمرنا تحوّلنا الى مجموعة مشائين نعقد حلقات القراءة والنقد والحوار والسجال في الهواء الطلق على مصاطب القرى، ويبقى مجلسنا مفتوحاً للفلاحين ومزارعي التبغ الذين يدخلون الى جوّنا مفتونين ويخرجون في أول الليل مشبعين بالشاي ودخان السجائر ونثار الشعر والنثر مكتشفين في أنفسهم أهلية للتذوق والمشاركة لم يكونوا يعرفونها..

نحو المقاومة مجدداً
في لحظة وقفت على مفارقة فاجعة.. كنت غارقاً في نوم القيلولة بعد ظهر يوم صيفي وأنا على موعد عصراً مع ندوة لنقاش علاقة الشكل بالمضمون في الأدب الحديث ، عندما أيقظني صديقي السيد كاظم ابراهيم لأسمع هدير الطائرات المغيرة على مخيم النبطية .. وقال لي بظرفه المعروف: “هذه هي علاقة الشكل بالمضمون ولكن في المخيم الذي أصبح خراباً”.. إذن فهناك خطأ فادح. الى أين نحن ذاهبون في مشروعنا، والتخلف والضعف يحيطان بنا والحرية التي تبدأ من فلسطين وتصب فيها معطلة أو غائبة..؟
أصبت بالدوار في حين كانت أمي وشقيقتي تعدان العدة للذهاب الى حقل التبغ للقطاف ليلاً والشكاك نهاراً والحياة المرة يومياً على طول الصيف، كل صيف.. أدركني الخجل والشعور بالخيانة.. وذهبت في اتجاه المتعبين، في اتجاهي، كوني ولدت الى جانب شتلة التبغ، ووضعت حداً لما كان يمكن أن يصبح خيانة .. وكان لا بد من المرور بفلسطين.. ذهبت الى المقاومة مستعيداً بداياتي معها في النجف عام 1967. وذهبت (عام 1972) الى مزارعي التبغ، الذين قادوني ولم أقدهم، وأدخلوني في تجربة سياسية لولاها لبقيت أعمى أظنّ أن الخير كله في الأحزاب.. واتضح لي لاحقاً أن الأحزاب خير وشرّ، فإذا ما تعطل النقد أصبح الخير شراً.. وهكذا كان .. لقد اكتشفت أو انكشف أمامي الخطاب اليساري في ما يعود الى مسألة الكادحين من عمال وفلاحين. وجدت أن المطالب أقرب الى الذرائع الحزبية.. وكان الخطاب اليميني في الأساس مكشوفاً.. هذا النقد لا يطال راديكاليتي التي حصّنتني من كثير من الخيانات.. وإن كنت بعد التجارب وتقدم العمر قد اكتشفت أن هذه الراديكالية لم تعد كافية لسلامة الرؤية واستيعابها للمستويات المتعددة في تكوين المشهد الاجتماعي والمعرفي والسياسي .. طلعت من حركة المزارعين بدرس فيه شيء من خيبة الأمل بالأحزاب، من دون يأس، وفيه فهم جديد لعلاقة المسألة الاجتماعية بالحراك السياسي. مقتنعاً بأن فلسطين هي المشكلة وهي الحل .. ولكني كنت أشعر باختلافي بسبب تكويني الإسلامي الحوزوي.. فهل بإمكاني أن أستخدم التمايز في تدبير مدخل ومسلك مختلف للمشاركة في المقاومة الفلسطينية؟
لم أكن وحدي الذي يحمل هذا الهمّ وهذا السؤال.. والتقينا مجموعة مختلفة ائتلفت على فلسطين.. وضعنا أطروحة تجمع بين الإيمان والإسلام والعروبة والانحياز للعدل والفقراء.. وانتبهنا الى أن ذلك قد يثير علينا اليمين واليسار والإسلاميين معاً.. فمن يحمينا؟ وجدنا في حركة فتح فضاء رحباً يجنبنا المصادرة والاستحقاق والحزبية الضيقة ويحمينا.. فعقدنا مع الحركة صلة تعاون وتناصر. نلخصها بأننا تأثرنا وأثرنا من دون أن نقع في مرض الحزبية.. ولكن الحرب اللبنانية والشراكة الفلسطينية فيها غيّرتا المؤشرات والمسارات، وأفسحتا في المجال أمام تراكم الأخطاء والانكشافات.. وعلى مدى سنتين من الحرب في لبنان (76-75) نسينا فلسطين.. الى أن كانت عملية دلال المغربي. واهتدينا الى الإطار النضالي الذي كان يشرف أبو جهاد على تفاصيله بالتشاور مع أبي عمار (القطاع الغربي) الذي دلفنا منه الى الكتيبة الطلابية .. ولولا هذا المنعطف لغادرنا مواقعنا مبكراً تحت وطأة الخيبة .. وإن كانت هذه الخيبة قد شرعت في الانتشار في أوساط شبابية كانت تحلم وتعمل من أجل تحويل أحلامها الى واقع بدءاً من فلسطين .. عدنا وهم ذهبوا الى الإسلام .. ولكن كانت العودة الى الإسلام ارتدادية نوعاً ما، أي مبنية على السلب لا الإيجاب ..

بين الخميني وأبي عمار
الى أن كانت الثورة في إيران فاحتدم الجدل حول الأطروحة، حول المشروع، وما زال محتدماً الى الآن.. قبل نجاح الثورة كنت قد انخرطت فيها واصبحت جزءاً من فريق عمل الإمام الخميني في الخارج .. وفي كل شيء يتصل بشؤون الثورة والثوار إعلاماً واتصالاً وثقافة وتدريباً الخ.. ما أتاح لي أو أملى عليّ أن أكون ضابط ارتباط بين حركة فتح والحركة الثورية الإيرانية بكل ألوانها، ومن دون أن يؤثر ذلك على لوني (الإسلامي غير المتحزب).. وحملت أول رسالة وأول جواب عليها من أبي عمار الى الخميني .. ومن النجف الى باريس ونوفل لوشاتو مرتين، ومن بيروت الى طهران عبر دمشق على متن أول طائرة بعد نجاح الثورة مع أبي عمار وأبي مازن وهاني الحسن وآخرين.. ودخول معقد في شبكة العلاقات الفلسطينية الإيرانية التي انتهت من حالة العرس والفرح المشترك الى حالة إشكالية بسبب اختلاف الحسابات ورغبة أبي عمار في توظيف الرقم الإيراني كاملاً في مشروعه النضالي والسياسي ، ورغبة إيران في توظيف الرقم الفلسطيني في مشروعها .. هنا اضطرب دوري كضابط ارتباط بين أبي عمار والإمام الخميني . ومن كلام الإمام معي شعرت أن الفاصل قد أصبح سميكاً فآثرت السلامة بالتخفيف من هذا الدور مع الحفاظ على علاقتي بالطرفين . الى أن كانت الحرب العراقية الإيرانية حيث رأت فتح وأبو عمار المخاطر بصرف النظر عمن هو على حق أو باطل أو من ينتصر أو من ينهزم .. وبعد انخراط كامل لمدة ثلاث سنوات ومعي عائلتي في طهران .. اكتشفت الوطنية الإيرانية، فقررت أن أعود الى لبنان ، محاولاً فهمه ، مصدوماً بحرب المخيمات، متوازناً بين حركة أمل وحزب الهد من دون رضا من الطرفين عليَّ وعشت توترات المرحلة ، مرحلة الصدام بين الحركة والحزب. وكنت من أشد الخاسرين فيها ، لأعوض خسارتي باستمرار التوازن والمشاركة المحدودة في تحقيق الائتلاف الانتخابي عام 1992 على أساس انه دخول شيعي عميق في بنية الدولة .. رشحت نفسي منفرداً وتأذيت كثيراً من سلوك ضدي لم يكن هناك من داع إليه.

اقرأ أيضاً: مارون عطالله.. شاهد يشبه الشهداء

والى الحوار نعود
بعد هذه التجربة أدركت بشكل عميق ونهائي أن موقعي ليس هنا.. وذهبت الى اتفاق الطائف لأقرأه دستوراً وميثاقاً فوجدت العيش المشترك بنداً أساسياً فيه فقلت هذا مكاني وشرعت في تعلّم وتعليم لغة الحوار ونشر ثقافته. أدركت أن هذا البلد يجب ويمكن إعادة بنائه بكل أبنائه لكل أبنائه.. وكان المؤتمر الدائم للحوار اللبناني الذي دفعني الى كل المناطق وكل الحساسيات.. وفتح لي باباً على حوار أوسع مع مجلس كنائس الشرق الأوسط ومجلس الكنائس العالمي انتهاء الى تأسيس الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي واللقاء اللبناني للحوار.. دوائر متصلة متواصلة .. معضودة بعضويتي في الهيئة الشرعية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي كنت أعارضه وأحب وأحترم مؤسسه الإمام الصدر على مقتضى نزعة شبه يسارية كانت ترى في المجلس مؤسسة من مؤسسات الدولة التي يجب مقاطعتها وإسقاطها .. بعد هذه السنوات الطوال أصبحت من العقلاء الذي يرون الدولة ضرورة ، وان مكان الطوائف فيها لا في مقابلها، اي ان المجلس مشروع تأهيل للخصوصية الشيعية للاندماج في العام الوطني من دون أوهام طائفية أو أوهام دولة دينية.. كان الإمام محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس قد تخلص نهائياً من طموحات البداية التي تأسست على معالم في الطريق وسيد قطب والإسلام السياسي، إسلام الدولة الإسلامية أي الدينية.. وجاهر بالدولة المدنية ، عندما انخرط في المجتمع اللبناني وثقافته التعددية واكتشف أهمية وحيوية التعدد وفكرة الدولة المدنية ودورها .. ومن هذه المواقع والمنابر انفتحت على نمط من العلائق والعلاقات الثقافية التبادلية في أكثر المؤسسات الفكرية والحوارية العربية والدولية ، انتهاء الى عضويتي في المجلس الاستشاري لتقرير التنمية العربية للأمم المتحدة ، والإتحاد العالمي لعلماء المسلمين لفترة وجيزة جداً وأكاديمية آل البيت في الأردن ومجلس أمناء وادارة مؤسسة ياسر عرفات الثقافية الاجتماعية ومؤسسة مؤمنون بلا حدود.. والمنابر الثقافية والإعلامية العربية والإسلامية المختلفة.. والعودة الى التواصل مع الشأن الفلسطيني والاندماج في الهمّ العراقي والتعاطي التفصيلي مع الشأن الخليجي.
اكتشفت من خلال هذه التجربة أنني تحريري تجريبي، أي غير مسكون بمشروع أيديولوجي أو نظرية مركبة سلفاً وأبحث لها عن مجال لتطبيقها.. كل ما في الأمر أني تعلمت السؤال أكثر وتعلمت أن المعرفة لا يمكن أن تنجز إلا بالشراكة.. وتعلمت الاعتدال والتوسط والتسوية.

آخر تحديث: 24 نوفمبر، 2018 1:40 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>