عن الدور الذي لعبه الموروث العائلي في تكوين شخصية السيد محمد حسن الأمين

* ماذا عن الدور الذي لعبه الموروث العائلي في تكوين شخصيتكم، ولماذا الاتجاه نحو الفكر أكثر من الفقه في منحاكم الخاص ؟
من حيث المبدأ لا أحسب أنّ أحداً ـ وخصوصاً من علماء الدين أو من المثقّفين والأدباء والشعراء ـ يمكن أن يكون قد نشأ وارتقى وكوّن شخصيّة مستقلّةً من دون أن يكون ذلك متصلاً بالجذور التي أعني بها هنا بيئته وتراثه العائلي ومحيطه الاجتماعي، ومن الملاحظ بصورة خاصّة أنّ النظام العائلي وهو نظام لا تختص فيه أمّة عن أمّة إلّا من حيث الدرجة، أي درجة التأثير وليس من حيث مبدأ التأثير.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، من المعروف في بريطانيا، وهي أكثر الأمم تقدّماً على المستوى السياسي، فضلاً عن المستويات الأخرى، فقد عرفت الديمقراطية منذ زمن بعيد، ومعروف عنها أنها ما زالت منذ مئات السنين إلى الآن تحرص على اختيار قضاتها من عوائل معيّنة ذات تراث وتاريخ عريقَين في القضاء، بما يعني أنّ الرجال الذين ينتمون إلى تراث معين لا بد أن يكون هذا التراث أكثر انغراساً من سواهم.
أقول: إنّ نشأتي العائليّة التي كانت تستند إلى تراث عريق على مستوى عدد العلماء ـ علماء الدين والفقهاء الكبار الذين بدأت سلسلتهم منذ أكثر من مئتي عام ـ جعلت كثير من أفراد هذه العائلة، وخاصّة منهم بعض الذين توجّهوا لطلب العلم الديني مسكونين إلى حدّ ما، كثير أو قليل بهذا التراث.

اقرأ أيضاً: العلماء الذين أثّروا بسماحة العلامة الأمين على المستوى الفكري والديني

ومن جهتي الشخصية فإنّه في مطلع شبابي وبعد أن توجّهت لطلب العلم الديني، كان يستصرع في داخلي تياران مختلفان، حتى لا أقول متناقضان، أحدهما الوفاء الدقيق لهذا التراث العائلي، والذي كان يفترض أن أتوجّه بكلّيتي لتحصيل علوم الفقه والأصول والعقائد، مهملاً ما سواها من المعارف التي كانت في مرحلتي الزمنيّة في الستينات قد تفجّرت فيها آفاق المعرفة والعلوم الإنسانيّة، والتيارات الحديثة؛ فكان يراودني ـ وبإلحاح ـ اتجاه لتوفير هامش واسع من استيعاب ثقافة العصر، سواء على المستوى الفكري أو الأدبي أو الاجتماعي، والتعرّف بشيء من العمق على تاريخ الفلسفة الإنسانيّة من اليونان مروراً بالفلسفة الإسلاميّة وصولاً إلى الفلسفة الحديثة التي تعددت تياراتها، ولم يكن لي من بدّ أن أغوص فيها على النحو الذي يمكنني من فهم الجذور المعرفيّة للتيارات السياسيّة القائمة في عصرنا، وكنت أرى في ذلك ما يشكّل استكمالاً ضرورياً لذلك التراث الخاص، والذي يسمح لهذا التراث عند التوفر على امتلاك العلوم والفلسفات المعاصرة أن يعيد العالم النظر في هذا التراث، وأن يتمكّن من إلقاء الضوء على مواطن الأصالة وقابلية الاستمرار بهذا التراث، تجاه التيارات المعاصرة.
وقد حسمتُ هذا الصراع بين التراث والمعاصرة عندما قرّرتُ أن أتواصل معهما في آنٍ معاً، كما أنّ الأمر الذي أودّ أن أشير إليه هنا هو أنّني بالرغم من إنجازاتي المعرفيّة واندفاعي في كثير من الأحيان إلى تيار الحداثة إلّا أنّني كنت أشعر دائماً بأصالة القِيَم التي أحاطتني من خلال التربية والنشأة، ومنعتني من تجاوزها، وخاصّة القيَم الأخلاقيّة وتقديس العدالة والورع، والذي هو بعض من سيرة الآباء والأجداد..
ولذلك يراني الآن البعض بأنّني ذو شخصية ثنائية، يراني أحياناً أتكلّم في الأيديولوجيا وفي تفنيد الأيديولوجيا بوقت مبكر، أي قبل أن يتعرّف الكثير من المثقفين على أخطار الأيديولوجيا، سواء كانت هذه الأيديولوجيا دينيّة أو علمانية، ويراني في الوقت نفسه أصرّ على تقديم قراءات إسلاميّة متشدّدة في احترامها للنص الديني، وإن كانت في كثير من الأحيان تنحو باتجاه تقديم تفسيرات وقراءات لهذا النص ليست بالضرورة متماثلة مع كتب وأفكار وتفسيرات السلف الصالح، إيماناً مني بأنّ المعرفة المتطوّرة والمتجدّدة والشاملة لهذا العالم البشري يجب أن تكون مصدراً من مصادر فهمنا ووعينا لتراثنا الديني، والتمييز بينه ـ أي بين هذا التراث ـ وبين النص الديني الثابت، والذي هو بالدرجة الأولى الوحي المتمثّل بالقرآن الكريم، وما يشبه هذا الوحي بثباته وقطعيّته في السنّة النبويّة.

صيدا: بيت القصيد
سؤال: كانت صيدا محطة أساسيّة في حياتكم، وقد تركتم بصمات واضحة فيها، كيف تصفون علاقتكم بصيدا، وكيف بدأت ؟
أقمتُ في مدينة صيدا في العام 1977م، وكنت قبلها قاضياً في صور من العام 1974 إلى العام 1977م، ثمّ انتقلت إلى مدينة صيدا، وأدركت منذ انتقلت إلى هذه المدينة، أنّ عملي فيها لن يقتصر على واجب العمل القضائي رغم أهميّته، وإدراكي كان منطلقاً من معرفتي السابقة بهذه المدينة، التي تتميّز بتاريخها العريق من جهة، ومركزها كمحافظة للجنوب، ثم التعدد والتنوّع الذي يمتاز به أهالي هذه المدينة، على مستوى الدين والطائفة، وعلى المستوى السياسي والثقافي، لذلك بدأت عملي مترافقاً جنباً إلى جنب مع اللّقاءات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، والتعرّف على النخبة في هذه المدينة، ولا حظتُ أنّ هناك استجابة مشجعة للمشاركة في الهموم الدينيّة والثقافيّة والوطنية، وأنّ هناك تقديراً لخطاب إسلامي ووطني متميّز ومعتدل، أنشأ بيني وبين أهالي المدينة علاقة محبة وثقة، ووصلت إلى اعتباري واحداً من شخصيّات المدينة المشاركين في همومها ومشاكلها.
وقد أولَيتُ اهتماماً خاصّاً في بعث الحركة الثقافيّة في المدينة من خلال مجموعة من المثقّفين المتواجدين في المدينة، من المدينة نفسها ومن خارجها، وخاصّة منهم الجنوبيّين، كأساتذة وموظفين في المحافظة، وكان اهتمام رجل دين بالموضوع الثقافي محل انتباه وارتياح لدى هذه الفئة من النخبة الصيداوية.
كما أقمتُ علاقة مميّزة مع علماء صيدا الذين كنتُ أحضر اجتماعاتهم، وربما انعقدت هذه الاجتماعات في كثير من الأحيان في منزلي، وكان شعورهم بصدق مواقفي المعتدلة والداعية إلى التقارب، بل الاندماج بين الطائفتين الإسلاميّتين السنيّة والشيعية، حافزاً لتوسيع دائرة لقاءات علماء الدين من الطائفتين، فكانت تنعقد لقاءات يحضرها علماء دين من صيدا ومن الجنوب، وغالباً ما كنتُ محفّزاً لها وداعياً إليها.
وكانت أبرز ثمرات هذا الإنجاز وهذه الجهود هي في تجمع العلماء المسلمين عند الاحتلال الإسرائيلي عام 1982م، والذي برزت فيه من خلال اللّقاءات المشتركة والعمل المشترك بين علماء الجنوب وبين علماء صيدا أولى مظاهر الدعوة إلى المقاومة والتماسك في وجه الاحتلال، وكان لي دور في الجمع بين نشاطَي هؤلاء العلماء ورموز الحركة الوطنية في مدينة صيدا وشخصياتها الوطنية العديدة، على نحو أدّى إلى بروز نشاطات جماعيّة كان أبرزها في العام 1983، اللقاء الشهير والكبير بين الصيداويّين والجنوبيّين على مستوى رجال الدين والحركات الوطنية، في جامع الزعتري، والذي أعلنت فيه لأوّل مرّة المطالبة بالمقاومة المسلّحة ضد العدو الإسرائيلي.
وقد هزّ هذا الاجتماع العدو، وحاول أثناء اللقاء إرهاب الجماهير والمحتفلين، ولكن ذلك كان حافزاً أكبر للاستمرار، رغم أنّ المسجد أحيط بالدّبابات والآلات العسكريّة الإسرائيليّة.

اقرأ أيضاً: الطفولة والمسؤوليّة المبكرة للعلاّمة الأمين

وكان لي شرف إلقاء الكلمة الرئيسية في هذا الاجتماع الذي دعوت فيه إلى المقاومة، وطبعاً كان ذلك بعد التشاور مع الأخوة العلماء والسياسيّين الصيداويين والجنوبيّين، وكان من أثر ذلك ـ وطبعاً لأسباب أخرى ـ أن اغتيل الشهيد الشيخ راغب حرب، الذي كان جزءاً من منظومتنا، وكان كثير التردد إلى بيتي في صيدا، وكان اغتياله محاولة لإلقاء الرعب في قلوب المجاهدين والعلماء منهم بشكل خاص.
ومنذ ذلك الوقت شدِّدت الرقابة الكبيرة على منزلي في صيدا، مع التهديدات المباشرة وغير المباشرة، ولكن اغتيال الشيخ راغب وتصميمنا على استمرار المقاومة كان أكبر من كلّ هذه التهديدات، وبوصفي كنت رمزاً من رموز هذه الحركة، وخاصّة لموقعي القضائي في محافظة الجنوب، وتنقلي المستمر في مدن الجنوب وقراه، في المناسبات الكثيرة، وخاصّة في مناسبات العزاء الأسبوعية؛ أدّى ذلك لاتخاذ قرار إمّا إلى تصفيتي أو إبعادي من مدينة صيدا المحتلّة إلى بيروت.
وفي إحدى الليالي من شهر آب 1984، وكنت يومها قد ألقيتُ خطاباً شهيراً في تأبين المرحوم السفير السيد هاني الأمين في بلدة شقراء، وكان أسبوعاً حاشداً دعوتُ فيه إلى الصمود والمقاومة بكل الأشكال ـ في تلك اللّيلة هوجم منزلي في مدينة صيدا بعدد كبير من المسلّحين ـ كما أسلفتُ سابقاً ـ وأجبروني للنزول من المنزل إلى قافلة من سياراتهم، حيث تمّ نقلي ـ وبالقوة المسلحة وفي ساعة متأخرة من الليل ـ إلى مكان لم أعرفه بسبب وضع العصابة على العينين، وكان في السيارة إسرائيليون ولبنانيّون، وطالت الطريق وهم يردّدون على سمعي أنه قد صدر بحقي قرار بالإعدام، وكنتُ متيقّناً من ذلك، ولكنني استمرّيت في تحدّي هؤلاء المجرمين، ولم يكن الأمر مفاجئاً بالنسبة لي، وكنت معداً من الناحية الروحيّة والنفسية، وخاصّة بعد اغتيال الشيخ راغب حرب، لأن أكون شهيداً.
وقد علمتُ بعد ذلك أنّ الطريق كانت باتجاه جزين، ثم باتجاه الحاجز الذي يفضي إلى خارج منطقة الاحتلال، أي نحو بيروت، وهناك في المعسكر قابلني ضابط يتكلم اللغة العربية بلهجة إسرائيلية، محاولاً إرهابي وتقديم تنازلات عن موقفي من الاحتلال، وأبلغني أنّ الجهات المختصّة في جيش الاحتلال قد قرّرت إعدامي، ثم غاب فترة قصيرة بعد أن لمس صمودي وقوّة تصميمي على موقفي، ليقول لي أنّه من حسن حظك أنّ المسؤول الأول في جيش الاحتلال قد ألغى حكم الإعدام، ولكننا قررنا طردك من الجنوب، وأنت تعلم أنّ أيدينا طويلة، وطلب من أعوانه أن ينقلوني وراء الحاجز حيث كان هناك سيارات مدنية هي التي توصّل الركاب من بيروت إلى الجنوب، فاستأجرت سيارة وأنا في لباسي الداخلي، وانقتلتُ فيها إلى بيروت.
ترك هذا الحدث دويّاً على المستوى الوطني عامّة، وحتى على المستوى العربي، وأمّا مدينة صيدا فقد خرجت صباح اليوم التالي بعد أن علموا بالحادث، لتتظاهر وتحتجّ بغضب، بحيث بدا أنّ هذا الإجراء الذي أريد منه إخافة الناس كان له رد معاكس، وشكّل مفصلاً جديداً من مفاصل التصميم على المقاومة والصمود في صيدا والجنوب.
وطبعاً في بيروت استمرّت نشاطاتي بصورة أكبر في دعم المقاومة والتواصل معها.
ذكرتُ هذه الحادثة في سياق الكلام على علاقتي بمدينة صيدا التي امتزجت فيها مشاعر المحبّة والثقة والوفاء على نحو جعل أهالي المدينة بكل أطيافهم، وعلى رأسهم صديقي المفتي الشيخ سليم جلال الدين ـ وهو شخصية مهابة ومحترمة ـ يستقبلوني استقبالاً مميّزاً، شعبياً ونخبويّاً، واستمرّت فترة إقامتي في صيدا، وازداد منسوب المشاركة بيني وبين الناشطين فيها من كلّ الأطياف إلى عام 1997م، أي مدّة عشرين سنة، في هذه المدينة..

اقرأ أيضاً: بداية تعمُّم السيد محمد حسن الأمين

انتقلت بعدها إلى المحكمة الشرعيّة الجعفرية العليا في بيروت، ولكن ظلّ منزلي في صيدا وإقامتي فيها لفترة طويلة، وما زال منزلي هناك موجوداً أتردّد عليه بين فترة وأخرى، وألتقي الكثير من أبناء المدينة.
وكان من الملاحظ من قبل بعض الأخوة أنني حين أنزل إلى المدينة القديمة ـ وأنا أحبّها وأحبّ المشي في طرقاتها الضيقة والتاريخية ـ أنّ أصحاب الحوانيت والأفران وباعة الحلوى.. كانوا يهتمون ويتقدّمون بالسلام عليّ ودعوتي إلى محلاتهم.
وأذكر أنّي كنت أمتنع عن الشراء من المحلات الصيداوية المحيطة بالمحكمة أو الموجودة في قلب السوق، وأرسل من يشتري الحاجات البيتيّة والأغراض من هناك، لأنّ الكثير من هؤلاء التجار الصغار والكبار كانوا يحرجونني بعدم قبول ثمن هذه الأغراض، إظهاراً لمحبّتهم وتقديرهم.
وأنا ما زلتُ أشعر بدفء هذا الوفاء، وأصالة هذه المدينة وأهلها، معتبراً إيّاها ليس بلدي الثاني، ولكن بلدي الأول.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 18 سبتمبر، 2018 4:36 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>