حزب الله يستطلع بالنيران لفرض التطبيع القسري

هل استكمل حزب الله عملية ضم لبنان الى المحور الايراني؟

طوت معركة الجرود ، فصلا من فصولها ، ومع الاستعدادات التي يقوم بها الجيش اللبناني لخوض معركة جرود القاع وراس بعلبك، تبدو الساحة اللبنانية في الظرف الراهن  ،وكانها تشهد سباقا  بين معركتين ، أو بمعنى من المعاني، تجاذبا بين مراهنتين:  المعركة الاولى يخوضها، حزب الله لتثبيت وتثمير نتائج  معركة جرود عرسال، وما فرضته من معطيات جديدة  –  في خطاب الأمين العام لحزب الله الذي أعقب معركة عرسال رسم مسبقا وعلى نحو حاسم في تأكيد الشركة بين الجيش اللبناني والمقاومة والجيش السوري  –   أما المعركة الثانية فتتمثل في المهمة – التحدي  المطروح أمام السلطة اللبنانية، لأن تستعيد بعض  زمام المبادرة لوجود الدولة وقرارها ،هذا القرار الذي  تخلت عنه  في معركة جرود عرسال ، وما يمكن توقعه   من مكاسب  أمنية وعسكرية وسياسية ومعنوية للبنان، في حال نجاح جيشه وحده في تحرير باقي الجرود.

وبالاستناد إلى ما بدا إلحاحا داخليا وخارجيا ، بعد معركة جرود عرسال، على ضرورة تنفيذ الجيش اللبناني وحده عملية تحرير جرود القاع وراس بعلبك، أقر مجلس الدفاع الاعلى ،ثم جاء   قرار  الحكومة  اللبنانية، بتكليف الجيش اللبناني، مهمة تحرير باقي الجرود، ،وهنا تشير المعلومات إن الأميركيين  نصحوا أو ربما الحوا،  على ضرورة تنفيذ الجيش اللبناني وحده، معركة جرود القاع وراس بعلبك ، ولم يعترض حزب الله، لانه يعرف انه والجيش السوري  يخوضان معركة الجانب السوري من الجرود المذكورة ، هذا مع العلم ان التنسيق الميداني بين الأطراف الثلاثة يتم ولم يتوقف،  ولو انه لم يعلن بصورة رسمية.

المقاربة الصحيحة لمعركة الجرود ،تقتضي عدم الغرق في،،وقائع و يوميات الحدث، و الاقتصار  على تسجيل أبرز واهم الخلاصات السياسية ، ذلك إن الوقائع الميدانية، تبدو صغيرة، امام جسامة  النتائج  السياسية المتوقعة لها على الداخل اللبناني.

ولعل الخلاصة السياسية الاولى، التي يمكن تسجيلها، هي إن معركة جرود عرسال كشفت بمجرياتها ، ونتائجها، المدى الذي وصل اليه اختلال ميزان القوى، بين حزب الله والقوى المحلية المتخاصمة معه  ، اذ كان  من اللافت ان غالبية هذه القوى، قد فقدت  القدرة، على احداث اي مستوى من التوازن الداخلي، ولو في حده الادنى، في ظل ثبات وقوة المحور الاقليمي المقابل لها،  اضافة الى انعدام ملامح المظلة الخارجية في هذد اللحظة، التي يمكن ان تعيد اللعبة السياسية، الى الحد الادنى من التكافؤ في لبنان، هذا  فضلا عن الفتحة الأميركية  والأوروبية وحتى العربية لمعركة جرود عرسال، مما عكس الواقع المازوم للقوى السياسية التي لا تتوافق مع سياسية حزب الله،  والتي وجدت نفسها ظل هذا الواقع عالقة بين تاييد حزب الله، او تاييد القوى الإرهابية..

في نظرة عجولة جدا  للدلالة على الخلاصة السياسية اعلاه، ظهر مدى ارتباك تيار المستقبل حيث سجل اعتراضا خجولا على عملية جرود عرسال،  ثم ما لبث أن  تأقلم  مع الحدث، مرفقا ذلك  بتصريح للرئيس الحريري مفاده إن حزب الله مشكلة إقليمية، بما يوحي بطريقة غير مباشرة بان  اي طرف لبناني لايملك القدرة على التعامل مع هذا الموضوع ،  وان هناك حالة من ربط النزاع مع حزب الله في المسائل المختلف عليها.

في امتداد ذلك، لم يظهر موقف حزب  القوات اللبنانية  وباقي حلفائه  اعتراضا حقيقيا على خطوة حزب الله، بل انهم وجدوا في تحرير أرض لبنانية جانبا إيجابيا، مع تأكيدهم “المبدئي”  بأنهم كانوا يفضلون ان  يقوم الجيش اللبناني بهذه المهمة.

في المقابل برزت المواقف الجلية التي أطلقتها الرئاستان، الاولى والثانية، والتي كانت حاسمة، لجهة تأييدها  للعملية،  وإعطائها بعدا وطنيا ، واحرجت إلى اقصى الحدود المنتقدين والرافضين.

الى ذلك، وعلى المستوى الشعبي، بدا الاثر العميق جليا من تداعيات معركة جرود عرسال، اذ حازت العملية على اجماع جمهور الثنائية الشيعية وسائر قوى ٨ اذار فضلا عن جمهور التيار الوطني الحر  مضافااليهم جمهور حلفاء حزب الله  المسيحيين، كل ذلك مقررونا بموقف الرابطة المارونية المؤيد للعملية، مع الاشارة هنا ان حزب الله لقي تاييدا من الكنيسة، و من شرائح شعبية  وقوى وفاعليا ت وشخصيات مستقلة  من البيئة المسيحية،  في حين ان الجمهور السني لم يبد اعتراضا حقيقيا، لا على المعركة، ولا على نتائجها.

وعلى صعيد اخر في هذا السياق السياسي والشعبي الذي رفع من رصيد الحزب، برز الدعم الإعلامي الذي بدا مؤثرا وبقوة، وعلى نحو لا سابق له  لمبدأ طرد مسلحي النصرة في لبنان، وهو ما  أضفى على المعركة بعدا و طنيا ، وشكل أحد مرتكزات السير بالمعركة باعتبارها تحرر أرضا لبنانية محتلة.

في اطار هذه الاندفاعة المتجددة، شكلت معركة جرود عرسال، نقطة ارتكاز وقاعدة لتسجيل اهداف جديدة في سياق خطة حزب الله لاختراق المعادلة  الداخليةوالتاثير في توازناتها.

لقد بدا جليا الهدف الاول لحزب الله، فبعد ان  نجح  في ترسيخ معادلة المقاومة التي ثبتها عند تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي في أيار من العام الفين، هو يعمل في هذه المرحلة  على تثبيت الشق الثاني من هذه المعادلة، بهدف ترسيخ فكرة وقوفه في وجه الأرهاب، انطلاقا من ان ما قام به ترك إنجازا ملموسا لدى  اللبنانيين، هذا فضلا عن مفاعيل المعركة في الخارج ،وخصوصا في هذه المرحلة على وقع اعتباره إرهابيا ومساويا لداعش من قبل الاميركيين، على الرغم من الصمت الاميركي حيال دوره في معركة جرود عرسال.

مقاتلو حزب الله يرفعون علم لبنان وعلم حزب الله في جرود عرسال، على الحدود السورية اللبنانية. 25 يوليو 2017

والى الهدف المذكور اعلاه، بدا جليا ان احد اهداف حزب الله يتمثل في  تزخيم دور الحزب وفقا للمعادلة التي يحرص على ابرازها  – معادلة الجيش والشعب والمقاومة  – سياسيا  وتثبيتهاحكوميالمرحلة، والجدير ذكره هنا ان العودة للترويج لهذا الهدف، يعكس  نية مسبقة عبر الافراط في توظيف هذا المسلسل الدعائي، وتوظيف المعركة في سياق  يتعلق برسم المستقبل،  وبقاء قوات حزب الله كجيش الى جانب الجيش اللبناني، ومحاولة القفز عن اي بحث في القرار السياسي، الذي يحرك هذا الجيش، او في وضعه ضمن آلية قانونية، تجعله يخدم المصالح اللبنانية وحدها ومن دون سواها.

إقرأ أيضاً: هذا ما يُخفيه حزب الله خلف «انتصار» عرسال

وإلى ذلك كله، بدا جليا، ان ثمة تركيزا لا هوادة فيه، للتوظيف السياسي للمعركة ، يهدف الى تحقيق الانتقال من حال التنسيق العسكري والأمني مع الجيش السوري، الى التنسيق السياسي، اذ لم يجف بعد، حبر طلب حزب الله  بفتح قنوات الحوار مع سوريا ،ولم تبرد بعد  حرارة معركة جرود عرسال، حتى تطور التوظيف السياسي ليبلغ مستوى جديدا، وقد تكون مجريات الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء  شكلت مسرحا لعملية استطلاع بالنيران ، لفرض التطبيع القسري،عبر تلبية بعض الوزراء دعوات الحكومة السورية،  في مجال التعاون والتنسيق،  مما شكل اختبارا لمدى حساسية وضع الحكومة منذ تاليفها، اذا ماقيست بمستوىالتوتر الذي حصل على خلفية  المحاولة الاكثر تقدما لاحياء علاقات التطبيع مع النظام السوري.

في امتداد هذا  الواقع والمعطيات والأهداف التي عرضنا، هل وصل مشروع حزب الله الى ذروة جديدة؟

لقد أتاحت هذه المرحلة، منذ التسوية التي جاءت بالعماد عون رئيسا للجمهورية، مرورا بتشكيل الحكومة، ثم الاتفاق على قانون جديد للانتخابات، وصولا إلى معركة الجرود، وهي استحقاقات وتطورات، أتاحت لحزب الله، فرصا حقيقية لوضع اهدافه  السياسية موضع التطبيق العملي، فكان أن تجسدت هذه الأهداف كمشروع هيمنة مذهبية فئوية على قرار الدولة، هذه  الهيمنةتندرج ضمن جدول أعمال الحزب، وسعيه الحثيث، للامساك بكل مفاصل السياسة، والأمن، والإعلام في مراحل لاحقة  من ناحية، وكمشروع لربط الو ضع اللبناني بعجلة المشروع الإيراني من ناحية ثانية.

إقرأ أيضاً: عرسال… 100 قتيل

يبدو المشهد  اليوم، أمام القوى الدولية والعربية والمحلية،  ان لبنان صار على بعد خطوات من الانضمام إلى الوصاية الإيرانية بشكل كامل، ما يؤدي الى تضييق الخناق عليه، أولا من الناحية الاقتصادية  وثانيا من الناحية العسكرية، حسب أكثر من مصدر دولي وعربي ،وكثيرون من الخبراء، يربطون بين رغبة التصعيد الخارجية التي تبدت اخيرا  في المنطقة عموما، وبين رفع  مستوى الضغط   المالي الاميركي على لبنان، تحت عنوان تجفيف منابع تمويل  حزب الله والتاثير على البيئة الحاضنة له،  وهو مايقلق لبنان،  خشية من التاثيرعلى الوضع الاقتصادي والمالي، وعلى الوضع المصرفي فيه، خصوصا ان الاجراءات الاميركية المقبلة في هذا الصدد تلتزمها السلطات المالية في العالم الغربي، يضاف إلى ذلك كله  تداعيات هذا الواقع على العلاقات اللبنانية العربية…

 المسار الذي يسلكه حزب الله بالهيمنة أكثر فاكثرعلى قرار الدولة اللبنانية، سوف يحقن الوضع اللبناني، بالمزيد من عوامل  الانقسام الطائفي والمذهبي، وبدلا من أن تكون الهيمنة وسيلة توحيد قسري للبنانيين تحت جناح  حزب الله، فانها يمكن ان تكون  مرشحة لان تولد نقائضها  الطائفية والمذهبية المقابلة، و هي لا تنتج بالتالي، غير المزيد من التقاتل العبثي  بين مشاريع لا تملك مقومات الحياة.

خلاصة الخلاصات، أن كل هذا المسار، ما كان ليتم، لولا مواقف قوى التحالف السياسي الحاكم التي تتراوح بين التواطؤ والتبرير، والصمت المريب، بذريعة الدفاع عن استقرار الحكم، عهدا وحكومة، و القاصي والداني، يدرك أن أهل الحكم، إنما فعلوا ذلك لضمان استمرارهم في تحاصص مقدرات الدولة والبلد، فيما يستكمل حزب الله أجندته للامساك بقرار البلد.

آخر تحديث: 15 أغسطس، 2017 1:31 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>