نسيب حطيط: التكفيريون ضحايا أم جلّادون؟

إزاء ظاهرة التطرف والمغالاة فيها وقوفاً إلى طرف الدين، وصولاً إلى تبني سياسة تكفير الغير فقد صُبَّ جلُّ اهتمامنا في توضيح ذلك على كتاب “السلفية التكفيرية”، للمهندس الدكتور نسيب حطيط الذي بيّن فيه جذور تلك الظاهرة ومنهجها، متناولاً العديد من القضايا والأحداث التي حدثت على مرّ العصور، طارحاً مجموعة من التساؤلات، تحدِّد الإجابة عليها، ماهية الأسلوب والوسائل والأهداف في معركتنا مع التكفيريين والتي يمكن أن تطول عقوداً من السنين. وسعياً وراء الحقيقة ولتعريف الناس على واقع وجذور ونهج الحركات السلفية في التاريخ الإسلامي خاصة المعاصرة، جاء الكتاب جامعاً ومحللاً لما يتعلق بالحركات التكفيرية بشكل مختصر يعطي المعلومة الموثقة، ويقع في الإطار العلمي المجرد وفق استراتيجية السؤال المباح  وابقاء بعض الأجوبة على مسؤولية القارئ، وحقه في إبداء الرأي والتفكّر في ما يحتويه الكتاب من آراء وأفكار. لذا ارتأينا أن ترتكز أسئلتنا على تساؤلات المؤلف في كتابه الذي اعتبره جهداً يتكامل مع الجهاد الميداني للمجاهدين، داعياً من خلاله المحايدين لنصرة الحق انطلاقاً من القول: (المحايد هو شخص لم ينصر الباطل ولكن مؤكّدٌ أنّه خذل الحقّ).

يقف البعض حائراً امام ظاهرة التكفيريين على مستوى اتخاذ الموقف منهم سلباً أم إيجاباً، متسائلاً هل هم ضحايا ام جلّادون؟ وهل ينطبق عليهم قول “الأخسرين أعمالاً، الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم”، أم هم “ممّن أرادوا الحقَّ فأخطأوه”؟

إنّي أميل للاعتقاد بأنّ التكفيريين هم ضحايا وجلّادون في آن، فهم ضحايا الفكر الذي تربّوا عليه من مشايخ تمّ تصنيعهم سياسيّاً ومخابراتيّاً، وضحايا المشروع الاستعماري الذي استولدهم ورعاهم واستخدمهم كأدواتٍ للقتل حتى صاروا انتحاريين أصابهم العمى الديني والإنساني وتحوّلوا إلى “جثثٍ متحرّكة” تديرها أجهزة المخابرات وتفجّرهم في السيّارات والأحزمة الناسفة في الساحة المقاومة والمتمرّدة على المشروع الأميركي، فتتحوّل “الجثة المتحرّكة” المعروفة بالانتحاري إلى “جلّاد” يصلّي ويصوم ويفترض أنه يجاهد في سبيل الله لتنطبق عليهم الآية الكريمة }يحسنون صنعاً{. وعندما يتحوّل التكفيري إلى وحدة هجينة تمتزج فيها الضحية بالجلّاد، يخسر الدنيا لأنه ضحية، ويخسر الآخرة لأنه جلّاد، وهذه أفدح أنواع الخسارة التي يمكن أن يتعرّض لها الإنسان.

هل مسؤولية مواجهة التكفيريين مسؤولية عامة أم فردية، أمنية أم فكريّة، ومن يتحمّلها؟

ومسؤولية مواجهة التكفيريين هي مسؤولية كل جهة أو طائفة أو شخص يفترضه التكفيريون عدوّاً كافراً لا بدّ من قتله إذا لم يبايعهم أو يماشيهم، وإذا استعرضنا أعداء التكفيريين وفق ما يعلنون وما يصرّحون، فإننا نجد أن الجميع هم بمثابة أعداء لهم سواء كانوا من الشيعة أو من المسيحيين أو من العلويين أو من الدروز أو من الصوفية والمذاهب الأربعة والعلمانيين والشيوعيين، ومن منطلق حق الدفاع عن النفس والهويّة، فإنّ مسؤولية مواجهتهم لا تنحصر في حزب أو مذهب أو دولة، بل تشمل كل من يفترضوه عدوّاً، وبما أنهم يعتقدون أنفسهم الفرقة الناجية التي تحدّث عنها رسول الله (ص) فذلك يعني أنّ لا صديق ولا حليف لهم.

هل مواجهة التكفيريين لإنقاذهم أم لقتلهم أم لإنقاذ الإسلام والأمّة؟

لأننا نعارض ونسفّه أفكارهم وسلوكياتهم ولأننا مأمورون من الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم بضرورة الدعوة الحسنة، فإننا نبدأ مواجهتهم وفق مبادىء الإسلام الحنيف المرتكزة على قول هابيل لأخيه القاتل قابيل: }لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ{، والخطوة الأولى في المواجهة ومعاملتهم لا تكون بالسيف أو بالرصاص، بل بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار والدليل والنقاش، لمحو الأفكار المشوّهة والمشبوهة في عقولهم وإرجاعهم إلى جادة الصواب والصراط المستقيم، عبر تعطيل “فقاسات” الفكر التكفيري المتمثّلة ببعض المشايخ الجهلة، وأصحاب الفكر السطحي الضيّق أو الفكر القشوري الساذج، بالتلازم مع حصارهم الأمني والتهيؤ لمواجهتهم عسكريّاً وأمنيّاً، ليس من أجل قتلهم بل لمنع وتعطيل إرهابهم، عسى أن نستنقذَ عدداً منهم من الجحيم الفكري الذي تلبّس عقولهم، وصادر إنسانيتهم ومشاعرهم ودينهم. فهؤلاء يعيشون حالة نفسيّة بائسة ومتفجّرة، تعتبر الانتحار طريقاً للنجاة من جحيم الدنيا، وأنّ الوصول للجنّة يستلزم التضحية بقرابين بشريّة يقتلونها بأحزمتهم الناسفة في تكرار مشهدي للقرابين المذبوحة للأوثان التي كان يعبدها الوثنيّون ويمكن إطلاق تسمية “الوثنيّة الإسلاميّة” على عقيدتهم الدينية حيث يلامسون عن جهل أو عمد تفسير الآية الكريمة}اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ{. فتحوّل الأمير “ربّا”  بديلاً أو واسطة بين التكفيريين وربهم، فإذا ما تصادم قول الأمير مع قول الله تبارك وتعالى، فإنّ التكفيري ينحاز إلى قول الأمير لجهله ومبايعته بدلاً من أن يبايع الله } إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا{. فإنهم يبايعون الأمير الذي تحوّل إلى مثّل ووكيل لله سبحانه وتعالى على الأرض، وهذا يشابه ما ورد في التلمود “إنّ تعاليم الحاخامات لا يمكن نقضها ولا تغييرها ولو بأمر الله، وقد وقع الاختلاف يوماً بين الله وبين علماء اليهود في مسألة، وبعد أن طال الجدل تقرّرت إحالة المشكلة إلى أحد الحاخامات الربيين واضطر الله أن يعترف بخطئه بعد حكم الحاخام المذكور…”

 

 

 

 

آخر تحديث: 22 يناير، 2015 11:25 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>