انتهت الحرب الأهلية في لبنان عام 1990، لكن رجالها لم ينتهوا. تغيّرت الملابس، تبدّلت الألقاب، وانتقل قادة الميليشيات من المتاريس إلى الوزارات، ومن غرف العمليات إلى البرلمان، ومن خطوط التماس إلى طاولات مجلس الوزراء. أما الدولة، فبقيت رهينة العقلية نفسها التي صنعت الحرب.
هذه هي المعضلة اللبنانية باختصار: الحرب توقفت، لكن نظامها السياسي استمر.
بعد خمسة عشر عاماً من القتل والتهجير والخطف والتدمير، كان يفترض أن تبدأ مرحلة جديدة عنوانها الدولة، والمحاسبة، وإعادة بناء المؤسسات. لكن ما حدث كان العكس تقريباً. أُعيد تدوير زعماء الحرب، ومُنحوا شرعية جديدة، وتحول كثير منهم إلى ممثلين رسميين للطوائف، وأصبحوا أوصياء على السلم الأهلي الذي كانوا هم أنفسهم من أطراف تقويضه.
لم تسأل الدولة: من قتل؟ من خطف؟ من هجّر؟ من نهب؟ من ارتكب المجازر؟ ومن اغتنى من اقتصاد الحرب؟
اختارت بدلاً من ذلك أن تطوي الصفحة من دون أن تقرأها.
صدر العفو العام، وسقطت المسؤولية، وضاعت الحقيقة، وبقي المفقودون بلا أجوبة، والضحايا بلا عدالة، والمجرمون بلا محاسبة. ثم قيل للبنانيين إن هذا هو ثمن السلم.
لكن السلم الذي يُبنى على إنكار الحقيقة ليس سلماً. إنه هدنة طويلة فوق ذاكرة مكبوتة.
من الميليشيا إلى الوزارة
ليس صحيحاً أن مجرد دخول قائد الميليشيا إلى البرلمان يحوله إلى رجل دولة. المنصب لا يغيّر الطبيعة السياسية لصاحبه، والربطة لا تلغي عقلية البندقية.
قائد الميليشيا ينجح لأنه يعرف كيف يخيف جماعته من الآخرين، وكيف يشد عصبها، وكيف يوزع الحماية والسلاح والمساعدات على الموالين. أما رجل الدولة فينجح عندما يلغي حاجة المواطن إلى الحماية الحزبية والطائفية، ويجعله يثق بالقانون والمؤسسات.
قائد الميليشيا يحتاج إلى عدو كي يبقى ضرورياً. رجل الدولة يحتاج إلى مواطن حر لا يخاف.
قائد الميليشيا يبني نفوذه على الولاء الشخصي. رجل الدولة يبني المؤسسات بحيث تستمر من بعده.
قائد الميليشيا يرى الدولة غنيمة. رجل الدولة يراها مسؤولية.
وهنا يكمن الفارق الذي رفض النظام اللبناني الاعتراف به.
بدلاً من أن تُحل الميليشيات داخل الدولة، جرى توزيع الدولة على الميليشيات. حصل كل زعيم على حصته من الوزارات والإدارات والتوظيفات والمشاريع. وتحولت المؤسسات العامة إلى مناطق نفوذ، كأن الحرب لم تنتهِ، بل تغير شكل السيطرة فيها فقط.
أصبحت الوزارة امتداداً للحزب، والإدارة مكتب خدمات انتخابياً، والوظيفة العامة مكافأة للتابع، والمشروع العام مناسبة لتمويل الشبكات السياسية.
هكذا انتقلت الحواجز من الشوارع إلى داخل الإدارات. لم يعد المواطن يُسأل عن هويته على حاجز عسكري، لكنه صار يحتاج إلى هويته الطائفية ووسيطه الحزبي لإنجاز معاملة أو الحصول على وظيفة أو سرير في مستشفى.
هذه ليست دولة. هذه ميليشيات ترتدي الزي المدني.
صدر العفو العام، وسقطت المسؤولية، وضاعت الحقيقة، وبقي المفقودون بلا أجوبة، والضحايا بلا عدالة، والمجرمون بلا محاسبة. ثم قيل للبنانيين إن هذا هو ثمن السلم.
دولة ضعيفة لأن زعماءها يحتاجونها ضعيفة
يقال دائماً إن لبنان يعاني من ضعف الدولة. لكن هذا التوصيف ناقص ومضلل. الدولة لم تضعف وحدها، بل أُضعفت عمداً.
الزعيم الطائفي لا يريد دولة قوية، لأن الدولة القوية تلغي وظيفته. فإذا كان القضاء مستقلاً، والإدارة عادلة، والجيش صاحب القرار الأمني الوحيد، والمدرسة الرسمية جيدة، والمستشفى الحكومي متاحاً، فلماذا يحتاج المواطن إلى الزعيم؟
الزعيم يحتاج إلى دولة عاجزة كي يقدّم نفسه بديلاً عنها. يحتاج إلى كهرباء مقطوعة ليبيع الناس المولدات. يحتاج إلى إدارة فاسدة كي يمرر معاملاتهم. يحتاج إلى بطالة مرتفعة كي يمنحهم الوظائف. يحتاج إلى خوف طائفي كي يطلبوا حمايته.
إنه لا يعالج الأزمة، بل يعيش منها.
ولهذا فإن الفشل اللبناني ليس مجرد سوء إدارة. إنه نموذج حكم كامل يقوم على إنتاج الضعف ثم استثماره سياسياً.
كل خدمة يقدمها الزعيم للمواطن هي في حقيقتها اعتراف بفشل الدولة، لكنها تُقدّم كمنّة شخصية. وكل حق يتحول إلى مكرمة. وكل مواطن يتحول إلى تابع. وكل انتخابات تتحول إلى تجديد لعقد التبعية.
السلام بين الزعماء لا يعني قيام الدولة
اتفاق الطائف أوقف الحرب، وهذه حقيقة لا يجوز التقليل من أهميتها. لكنه لم يؤسس قطيعة حقيقية مع منطق الحرب. لقد أنتج تسوية بين الزعماء أكثر مما أنتج دولة فوق الزعماء.
جرى تقاسم السلطة بين القوى النافذة، لكن لم تُبنَ مؤسسات قادرة على إخضاع هذه القوى. جرى إدخال الجميع إلى النظام، لكن لم يُطلب من الجميع التخلي فعلياً عن منطقهم القديم.
كان المطلوب أن تكون المشاركة السياسية مرحلة انتقالية تقود إلى نزع السلاح، وإصلاح المؤسسات، وإقامة العدالة، وتوحيد القرار الأمني، وتجديد الطبقة السياسية.
لكن المرحلة الانتقالية تحولت إلى نظام دائم، وأصبح ميزان القوى الذي صنعته الحرب أساساً للحكم بعد الحرب.
بدلاً من أن تنتهي امتيازات أمراء الحرب، جرى تثبيتها. وبدلاً من أن يدفع حمل السلاح ثمناً سياسياً وأخلاقياً، أصبح في حالات كثيرة طريقاً إلى الوزارة والنيابة والرئاسة.
والرسالة التي وصلت إلى المجتمع كانت كارثية: من يمتلك السلاح والنفوذ يستطيع أن يفاوض الدولة، ثم يدخلها، ثم يحكمها.
بدلاً من أن تُحل الميليشيات داخل الدولة، جرى توزيع الدولة على الميليشيات. حصل كل زعيم على حصته من الوزارات والإدارات والتوظيفات والمشاريع.
العفو بلا حقيقة شراكة في الجريمة
لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش إلى الأبد في السجن الذي بناه ماضيه. ولا يمكن أيضاً أن يخرج منه بإنكار ما حدث.
كان يمكن للبنان أن يعتمد عدالة انتقالية لا تقوم على الانتقام، بل على كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وإنصاف الضحايا، وكشف مصير المفقودين، وإصلاح المؤسسات، ومنع تكرار الجرائم.
لكنه اختار العفو من دون حقيقة، والمصالحة من دون اعتراف، والنسيان من دون عدالة.
وكانت النتيجة أن كل طائفة احتفظت بتاريخها الخاص، وكل حزب كتب روايته الخاصة، وكل مجرم احتمى بجماعته، وكل ضحية بقيت وحيدة.
البلد الذي لا يواجه ماضيه محكوم بتكراره. وقد تكرر منطق الحرب في كل أزمة سياسية لاحقة: تعبئة طائفية، تخوين، تهديد، استعراض قوة، تعطيل المؤسسات، واستدعاء الخارج.
الحرب لم تعد بالضرورة مدافع ودبابات، لكنها بقيت أسلوباً في السياسة.
هل يستطيع قائد الحرب أن يصبح رجل دولة؟
نعم، لكن ليس بمجرد أن يعلن ذلك.
يمكن لقائد حركة مسلحة أن يتحول إلى رجل دولة إذا تخلّى عن السلاح، وقبل المحاسبة، وفصل حزبه عن مؤسسات الدولة، واعترف بالمواطنين جميعاً شركاء متساوين، وقبل تداول السلطة، وخضع للقانون الذي يخضع له الآخرون.
أما أن يحتفظ بشبكة القوة والولاء والتمويل والتهديد، ثم يطلب الاعتراف به رجل دولة، فهذا تزوير للمعنى.
التحول الحقيقي ليس انتقالاً من الخندق إلى القصر. إنه انتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشرعية، ومن حماية الجماعة إلى حماية الجميع، ومن الزعامة إلى المؤسسة.
في لبنان، حصل الانتقال في المواقع أكثر مما حصل في العقليات.
دخل رجال الحرب إلى الدولة، لكنهم لم يسمحوا للدولة أن تدخل إلى أحزابهم ومناطقهم وشبكاتهم. بقي لكل زعيم جمهوره، وإدارته، واقتصاده، وعلاقاته الخارجية، وخطابه الأمني، وفي بعض الحالات قوته التي تتجاوز منطق المؤسسة العامة.
وهكذا بقي الوطن اتحاد نفوذ أكثر منه دولة.
البلد الذي لا يواجه ماضيه محكوم بتكراره. وقد تكرر منطق الحرب في كل أزمة سياسية لاحقة: تعبئة طائفية، تخوين، تهديد، استعراض قوة، تعطيل المؤسسات، واستدعاء الخارج.
المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم
من السهل اختصار الأزمة في أسماء الزعماء، لكن المشكلة أعمق. النظام نفسه يعيد إنتاجهم.
القانون الانتخابي الطائفي ينتج ممثلين للطوائف لا ممثلين للمواطنين. الزبائنية تعاقب المستقل وتكافئ صاحب الشبكة. ضعف القضاء يحمي الأقوياء. انهيار الخدمات يجعل المواطن متعلقاً بزعيمه. الإعلام الحزبي يعيد إنتاج الخوف. والذاكرة الطائفية تمنع نشوء رواية وطنية واحدة.
لذلك لا يكفي أن يرحل زعيم ويأتي آخر. ما لم تتغير قواعد اللعبة، سيولد أمراء حرب جدد، ولو لم يحملوا السلاح.
فالحرب الأهلية ليست فقط ميليشيات تقاتل. إنها أيضاً مجتمع يفقد ثقته بالدولة، وطوائف تخاف بعضها بعضاً، واقتصاد يقوم على الغنيمة، وسياسة تقوم على التحريض، ومؤسسات تُدار بالمحاصصة.
وهذا كله ما زال حاضراً في لبنان.
لبنان لم يبنِ دولة بعد الحرب
أعاد لبنان بناء الكثير من الطرق والجسور والمباني، لكنه لم يُعد بناء الدولة بالمعنى الحقيقي.
بناء الدولة كان يقتضي قضاءً مستقلاً، وإدارة غير طائفية، وجيشاً يحتكر السلاح، ومدرسة تصنع مواطنين لا أبناء طوائف، وقانوناً انتخابياً يفتح المجال لقوى جديدة، ومحاسبة تمنع الإفلات من العقاب.
لكن الذي جرى هو إعادة بناء الواجهة، بينما بقيت البنية القديمة في مكانها.
ولهذا لم يكن غريباً أن تنفجر الأزمات تباعاً: فساد، دين عام، انهيار اقتصادي، شلل سياسي، تعطيل حكومي، انهيار مؤسساتي، وهجرة واسعة.
هذه النتائج ليست حوادث منفصلة. إنها الحصيلة الطبيعية لنظام سلّم الدولة لمن ينظرون إليها باعتبارها حصة لا وطناً.
الخلاصة
من يصلح للحرب الأهلية لا يصلح تلقائياً لبناء الدولة الوطنية.
فالحرب تحتاج إلى قادة تعبئة، أما الدولة فتحتاج إلى رجال مؤسسات. الحرب تقوم على الخوف، والدولة تقوم على الثقة. الحرب تحتاج إلى جماعات مغلقة، والدولة تحتاج إلى مواطنين متساوين. الحرب تُدار بالسلاح، والدولة تُدار بالقانون.
قد يتحول قائد الحرب إلى رجل دولة، لكن بشرط أن يهزم رجل الحرب في داخله أولاً.
أما في لبنان، فقد انتهت المعارك من دون أن تُهزم عقلية الحرب. دخل أمراء الميليشيات إلى المؤسسات، ثم أعادوا تشكيل المؤسسات على صورتهم. وبدلاً من أن تصبح الطوائف جزءاً من الدولة، أصبحت الدولة مجموعة حصص موزعة على الطوائف.
المأساة اللبنانية ليست أن الحرب استمرت خمسة عشر عاماً فقط، بل أن رجالها حكموا البلاد أكثر من ثلاثة عقود بعدها.
ولذلك فإن معركة لبنان الحقيقية ليست بين طائفة وأخرى، ولا بين زعيم وآخر. إنها معركة بين من يريد دولة مواطنين، ومن يريد إبقاء الدولة رهينة زعماء الطوائف.
حتى اليوم، لم تُحسم هذه المعركة.

