طوت إيران يوم الجمعة، العاشر من تموز/يوليو 2026، فصلاً تاريخياً امتد لقرابة 37 عاماً، بمواراة جثمان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي الثرى في ضريح الإمام الرضا بمدينة مشهد، بعد مضي أكثر من أربعة أشهر على مقتله في الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية المشتركة في 28 شباط/فبراير الماضي.
ومع هذا الغياب المفاجئ لرأس الهرم في هيكل «ولاية الفقه»، لم تكن مراسم التشييع مجرد وداع لزعيم قاد البلاد لعقود، بل كانت إيذاناً بدخول الجمهورية الإسلامية نفقاً مظلماً من الأزمات المركبة التي تضرب شرعية النظام في الصميم على المستويات كافة: السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والإستراتيجية.
تجد إيران نفسها اليوم أمام واقع جديد كلياً يتسم بانسداد الأفق، حيث تتقاطع في مشهد الخلافة صراعات الأجنحة داخل المؤسسة الحاكمة، وصعود القبضة القمعية للحرس الثوري، وانكفاء دور مؤسسة الرئاسة، بالتوازي مع حرب ميدانية مستعرة مع الولايات المتحدة، وأزمة معيشية طاحنة تضع البلاد على حافة انفجار اجتماعي غير مسبوق.
أولاً: لغز «المرشد المختفي» وانكفاء الرئاسة
وأبرز ما لفت انتباه المراقبين والمحللين الدوليين خلال مراسم الدفن في مشهد، كان الغياب الغامض وغير المفسر لنجل المرشد الراحل الذي تم الإعلان سابقاً عن اختياره ليتولى منصب المرشد الأعلى الجديد. هذا الاختفاء، بحسب مصادر دبلوماسية متقاطعة، يعكس عمق الخلافات والصراعات الدائرة خلف الكواليس في مجلس خبراء القيادة ومؤسسات القرار الفوقية.
إقرأ أيضا: احتدام الصراع بين الدبلوماسية والتصعيد داخل طهران
لم يعد خفياً أن عملية توريث منصب المرشد واجهت معارضة شرسة من قطاعات واسعة داخل النظام، وصفت هذا الانتقال بأنه ضربة لما تبقى من شرعية «ثورية» للجمهورية، وتحويلها إلى نظام «وراثي». ونتيجة لهذا الغياب المستمر للمرشد الجديد، تعيش البلاد حالة من «شغور القيادة الفعلي»، الأمر الذي انعكس سلباً على موقع الرئاسة الإيرانية بقيادة مسعود بزشكيان؛ حيث بات دور الرئاسة منكفئاً وهامشياً، وبدت الحكومة عاجزة عن اتخاذ قرارات مصيرية في ظل غياب الغطاء الفقهي والسياسي الكامل الذي كان يوفره علي خامنئي.
ثانياً: صعود «حكومة الظل» العسكرية وصراع الأجنحة
ومع تراجع دور المؤسسات المدنية والدينية التقليدية، قفز الحرس الثوري الإيراني (IRGC) إلى واجهة المشهد ليمثل «سلطة الأمر الواقع» واللاعب الأكثر نفوذاً في صياغة مستقبل النظام. ويمكن تلخيص واقع الصراع الداخلي في النقاط التالية:
- التمدد الأمني والقمع السياسي: فرض الحرس الثوري حالة طوارئ غير معلنة في طهران والمدن الكبرى (مشهد، أصفهان، تبریز) مستخدماً أجهزته الاستخبارية وقوات «البسيج» لشن حملات قمع استباقية وتصفية سياسية ضد أي أصوات إصلاحية أو برغماتية تحاول استغلال غياب المرشد للدعوة إلى تغيير السياسات الإستراتيجية للبلاد.
- السيطرة على مفاصل الاقتصاد: عززت القيادات العسكرية سيطرتها على كبريات الشركات والشركات القابضة التابعة للأوقاف (مثل آستان قدس رضوي في مشهد)، مستغلة الفراغ التشريعي لتأمين تمويل ذاتي مستقل بعيداً عن ميزانية الدولة الرسمية.
- خلافات الأجنحة: ينقسم النظام حالياً إلى تيارين متصارعين؛ تيار “الصقور” في الحرس الثوري الذي يرى في التصعيد العسكري والتمسك بـ «محور المقاومة» السبيل الوحيد للحفاظ على بقاء النظام، وتيار برغماتي “منكفئ” يتزعمه بعض أركان الحكومة الساعين لإيجاد مخرج دبلوماسي يحمي البلاد من التدمير الشامل.
ثالثاً: الأزمة المعيشية والانسداد الاقتصادي
تتزامن هذه الفوضى السياسية مع انهيار قياسي في المؤشرات الاقتصادية الإيرانية، حيث يعيش الشارع الإيراني تحت وطأة أزمة معيشية هي الأشد منذ ثورة 1979. وتعمقت الأزمة بفعل عاملين أساسيين:
- العقوبات والضربات العسكرية: تسببت الضربات الأميركية الأخيرة التي طالت البنى التحتية الحيوية، ولا سيما خطوط السكك الحديدية الرابطة بين طهران ومشهد، واستهداف المنشآت اللوجستية، في شلل شبه تام لحركة التجارة الداخلية ونقل البضائع.
- انهيار العملة والتضخم: سجل التومان الإيراني تراجعات غير مسبوقة أمام الدولار الأميركي، وتجاوزت معدلات التضخم السلعي حاجزاً كارثياً، مما جعل المواد الغذائية الأساسية والأدوية بعيدة عن متناول ملايين المواطنين الذين بات أكثر من نصفهم تحت خط الفقر المدقع.
وتشير التقارير الواردة من الداخل الإيراني إلى تصاعد حالة السخط الشعبي، حيث يتحرك الشارع في احتجاجات متفرقة تقودها الطبقات العمالية والموظفون، وهو ما يقابله الحرس الثوري بقبضة حديدية خشية تحول هذه التحركات إلى انتفاضة عارمة تطيح بالنظام مستغلة غياب رأس القيادة الفقهية.
رابعاً: معركة هرمز ومستقبل الحرب مع واشنطن
إستراتيجياً، تقف إيران وسط الحلقة المفرغة للمواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية. ورغم إعلان البنتاغون عن استهداف نحو 90 هدفاً عسكرياً إيرانياً شملت منظومات دفاع جوي ومواقع تخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلاً عن استهداف محيط محطة بوشهر النووية، إلا أن الحقيقة الإستراتيجية على الأرض تشير إلى معادلة معقدة.
لم تسعَ طهران، حتى في ذروة انكسارها بعد مقتل خامنئي، إلى إغلاق مضيق هرمز بصورة دائمة، بل تصرّ على تثبيت معادلة ميدانية مفادها أن «أمن الملاحة الدولية في الخليج لا يمكن أن يُفرض من دون موافقة وتنسيق مع إيران». وفي المقابل، تدرك واشنطن بالرغم من تفوقها العسكري الكاسح وحشودها البحرية، أن إقصاء الدور الإيراني بالكامل من المعادلة الجغرافية والسياسية في الخليج يتطلب حرباً إقليمية شاملة لا يستطيع الاقتصاد العالمي دفع فاتورتها، خاصة مع بقاء أسواق النفط تحت رحمة أي تهديد صاروخي يطال الناقلات.
إقرأ أيضا: بروباغندة مأجورة وأجواء مغلقة: كيف كشفت ترتيبات الجنازة ملامح الارتباك والضعف البنيوي في طهران؟
وتشير التقارير الدبلوماسية (مثل تقارير موقع «أكسيوس» ووكالة الأنباء الألمانية «د ب أ») إلى أن هذه المعادلة الميدانية المعقدة أبقت على قنوات الاتصال الفنية والخلفية مفتوحة بين واشنطن وطهران؛ حيث تسعى القيادة الإيرانية الحالية عبر قنوات وسيطة لإيجاد “صفقة” أو “اتفاق إطاري جديد” يضمن بقاء النظام ويخفف حدة الضربات، بالرغم من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مذكرات التفاهم السابقة قد انتهت بسبب الخروقات الإيرانية التي وصفتها واشنطن بأنها «فشل في الأداء على مستوى غير مقبول».
خامساً: تراجع النفوذ الإقليمي (تفكك الأذرع)
يمتد زلزال غياب خامنئي إلى الساحات الإقليمية التي لطالما اعتبرتها طهران خطوط دفاعها الأمامية؛ حيث تشير التحولات الأخيرة إلى تراجع دراماتيكي في قدرة إيران على إدارة وحماية أذرعها:
- الملف السوري والتركي: كشفت كواليس قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأخيرة عن ترتيبات دولية وإقليمية حاسمة تقودها واشنطن بمشاركة دمشق لتجفيف قنوات الدعم المالي والعسكري التي تنساب عبر الحدود إلى الفصائل الموالية لإيران.
- الساحة اللبنانية: يواجه حليف طهران الأبرز، «حزب الله»، ضغوطاً غير مسبوقة للانخراط في تنفيذ «الاتفاق الإطاري» الذي تشرف عليه الولايات المتحدة، والذي ينص على انسحاب إسرائيلي متزامن مقابل نزع السلاح غير الشرعي وبسط سلطة الدولة اللبنانية، مما يعني عملياً خسارة طهران لأقوى أوراقها التفاوضية على البحر المتوسط.
أي إيران سنرى في المرحلة المقبلة؟
تتجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مرحلة ما بعد علي خامنئي نحو أحد سيناريوهين لا ثالث لهما:
- السيناريو الأول (الديكتاتورية العسكرية العارية): نجاح الحرس الثوري في حسم صراع السلطة داخلياً، وتثبيت نظام حكم عسكري استبدادي يتجاوز الصيغة الدينية التقليدية لـ «ولاية الفقه»، ويعتمد بالكامل على القمع الداخلي المطلق، واللجوء إلى سياسة حافة الهاوية العسكرية في الخارج للحفاظ على بقائه.
- السيناريو الثاني (الانفجار والتشظي): عجز النظام عن حل معضلة الشرعية والقيادة في ظل اختفاء المرشد الجديد وانكفاء الرئاسة، وتعاظم الضربات الخارجية والانهيار المعيشي، مما يقود إلى تفجر ثورة شعبية عارمة تؤدي إلى تصدع المؤسسة العسكرية ودخول البلاد في حالة من الفوضى والتشظي الداخلي.
في المحصلة، إن إيران التي عرفها العالم على مدى الأربعين عاماً الماضية قد تغيرت ملامحها إستراتيجياً مع دفن خامنئي في مشهد؛ والنظام الحالي لا يملك ترف الوقت المناور، فإما الذهاب نحو تسوية تاريخية قاسية مع الغرب تُفكك مشروعه الإقليمي والنووي، وإما السقوط في أتون مواجهة شاملة تنهي الحقبة الثورية الحالية برمتها.

