لطالما شَكّل ملف العلاقات اللبنانية-السورية أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في المشهد السياسي الإقليمي، حيث تداخلت فيه الجغرافيا، والتاريخ، والروابط العائلية والاقتصادية مع صراعات المحاور والتأثيرات الدولية السياسية والأمنية.
وفي خضم التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة، جاء التوقيع الرسمي بين الحكومتين اللبنانية والسورية على اتفاقية إنشاء «اللجنة العليا السورية – اللبنانية المشتركة» بمثابة انعطافة تاريخية ترسم فصلاً جديداً في كتاب العلاقات الثنائية، وتحديداً خلال الزيارة البارزة لوزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني إلى العاصمة بيروت.
هذه الخطوة لا تمثل مجرد إجراء ديبلوماسي بروتوكولي، بل تؤسس لإطار مؤسسي دائم ومقونن يطوي، وللمرة الأولى، صيغ التنسيق المؤقتة أو الهيمنة السياسية السابقة، ليعلن الانتقال الفعلي نحو مفهوم «دولة إلى دولة» على أسس السيادة والنِدّية.
المبادئ الحاكمة: السيادة وحسن الجوار في الباب الأول
ينطلق نص الاتفاقية الموقعة بين حكومة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام والجانب السوري من ركائز دستورية واضحة طالما طالبت بها الأوساط السيادية اللبنانية. فقد نص الباب الأول وال مادة الأولى على مأسسة العلاقة بشكل دائم، بينما حددت المادة الثانية الثوابت الحاكمة التي التزم بها الطرفان:
- الاحترام المتبادل للسيادة الكاملة: اعتراف صريح ونهائي بحدود وسيادة كل دولة بشكل مستقل.
- حسن الجوار: صياغة سياسات حدودية وميدانية تضمن أمن الطرفين وتمنع التهديدات المتبادلة.
- عدم التدخل في الشؤون الداخلية: طي صفحة «الوصايات والتدخلات»، وبناء القنوات الديبلوماسية المباشرة عبر القنوات الرسمية للحكومتين.
وقد انعكست هذه الأجواء بوضوح في ترحيب رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بالاتفاقية خلال استقباله الشيباني في قصر بعبدا، معتبراً أن لبنان يخرج اليوم رسمياً إلى فضاء العلاقات الندية المستقلة.
بنية اللجنة وآليات العمل القطاعي
تتميز «اللجنة العليا المشتركة» بهيكلية تنظيمية رفيعة المستوى تضمن انتقال القرارات من الإطار النظري إلى التنفيذ الميداني؛ حيث تُدار برئاسة مشتركة تجمع رئيسي حكومتي البلدين (أو من يندبونه رسمياً). وبموجب التفاهمات، تقرر عقد اجتماعات دورية سنوية بالتناوب بين بيروت ودمشق لمراجعة المقررات.
ويتفرع عن هذه اللجنة طيف واسع من اللجان الفنية والقطاعية المتخصصة التي تشمل 17 مجالاً حيوياً للتعاون، ومن أبرزها:
- القطاع الأمني والحدودي: ضبط الحدود المشتركة، مكافحة شبكات التهريب، وتبادل المعلومات الأمنية لمواجهة التحديات الميدانية المستجدة.
- القطاع الاقتصادي والتجاري: تنظيم التبادل التجاري، تسهيل حركة البضائع، والترانزيت البري الذي يمثل رئة اقتصادية حيوية للبنان نحو العالم العربي.
- الطاقة والنقل والمياه: إعادة تنسيق شبكات النقل المشترك، بحث ملفات استجرار الطاقة الكهربائية، وضبط الاتفاقيات المائية الدولية المرتبطة بنهري العاصي والكبير الجنوبي.
- الخدمات والاتصالات: معالجة التداخل في شبكات الاتصالات الحدودية، والتنسيق في مجالات الصحة العامة والتحول الرقمي.
الأبعاد السياسية: من المحاور الفصائلية إلى المظلة الحكومية
تحمل هذه اللجنة في توقيتها الحالي دلالات سياسية بالغة الأهمية على الساحة اللبنانية. فمن جهة، تسحب هذه الآلية الرسمية احتكار ملف العلاقة مع دمشق من يد جهات أو فصائل سياسية وعقائدية معينة (كحزب الله)، وتحول التنسيق إلى عمل حكومي مؤسساتي خاضع لرقابة أجهزة الدولة الشرعية.
إقرأ أيضا: رؤية الأمين وفحص تتصدر المشهد: زيارة الشيباني تُثبت صوابية الاستشراف الشيعي الباكر
وقد تقاطع هذا التوجه مع تصريحات وزير الإعلام بول مرقص عقب جلسة مجلس الوزراء، والتي ألمح فيها إلى أن إنشاء هذه اللجنة يترافق مع توجه حكومي لإعادة النظر في جميع الاتفاقيات السابقة الموروثة من الحقبة الماضية، بما يتوافق مع الصيغة السيادية الجديدة للبنان. كما أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى أن هذه اللجنة ستكون المظلة القانونية لبحث الترتيبات وحل المعضلات المشتركة، بما فيها الأزمات الراهنة وضبط الحدود بالتزامن مع الترتيبات الأمنية الجارية في المنطقة.
رهان المؤسسات في مواجهة الاختبار الميداني
في المحصلة، تضع «اللجنة العليا السورية – اللبنانية المشتركة» قطار العلاقات بين البلدين على السكة الصحيحة التي تضمن مصالح الشعبين دون التضحية بسيادة أي طرف. ورغم أن النص القانوني يبدو متكاملاً ويحمل وعوداً بمرحلة من الاستقرار الاقتصادي والأمني، فإن العبرة تظل دائماً في آليات التطبيق ومدى التزام اللجان الفنية بترجمة هذه البنود على أرض الواقع، ليبقى هذا الاتفاق بمثابة أكبر اختبار ديبلوماسي لنيات دمشق الجديدة ولتنفيذ خيارات بيروت السيادية.

