في ظل التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة على المشهد العسكري في لبنان، تكشف معطيات ميدانية عن تغييرات لافتة في خريطة انتشار «حزب الله»، مع انتقال مركز ثقله العسكري من الشريط الحدودي إلى مناطق أكثر عمقًا داخل البلاد. وبحسب معلومات حصل عليها موقع «إرم نيوز» من مصدر عسكري لبناني، فإن الحزب أعاد توزيع بنيته العسكرية وفق أولويات جديدة، شملت نقل مراكز القيادة والمستودعات والوحدات الأساسية إلى شمال الليطاني والزهراني والبقاع، مع الإبقاء على حضور محدود جنوب الليطاني.
وقال المصدر العسكري لـ«إرم نيوز» إن «حزب الله» لم يعد يتعامل مع منطقة جنوب الليطاني باعتبارها مركز ثقله العسكري، بل بات ينظر إليها كساحة مكشوفة للاستنزاف والرقابة والضغط الإسرائيلي المستمر، في مقابل إعادة تموضع الجزء الأساسي من بنيته العسكرية في مناطق أكثر عمقًا داخل لبنان.
وأوضح أن الكتلة العسكرية الأساسية التي يعمل الحزب على حمايتها تتمركز اليوم ضمن ثلاثة أحزمة مترابطة تشمل شمال الليطاني، ومنطقة الزهراني ومحيطها، إضافة إلى البقاع الممتد حتى الحدود السورية.
وأشار إلى أن هذه الخريطة لا تعني انسحاب الحزب من الجنوب، وإنما إعادة توزيع لمهامه العسكرية، لافتًا إلى أن جنوب الليطاني تحوّل إلى واجهة متقدمة للحفاظ على الحضور الميداني والإبقاء على مستوى محسوب من الاشتباك، فيما نُقلت المستودعات الأكثر حساسية، ومراكز القيادة والربط، وعناصر من الوحدات النخبوية إلى مناطق أعمق يصعب استهدافها بالكثافة نفسها من دون توسيع نطاق المواجهة.
وأضاف المصدر أن قطاع «بدر» شمال الليطاني أصبح مركز العمليات الرئيسي للحزب، سواء من حيث انتشار القوة النارية أو النشاط الدفاعي أو تخزين الأسلحة والذخائر، مشيرًا إلى أن القسم الأكبر من وحدة «الرضوان» أعاد التموضع في شمال الليطاني والبقاع، مع الإبقاء على عدد محدود من العناصر جنوب النهر للحفاظ على الجاهزية الميدانية.
وأكد أن المنطقة تضم شبكة عسكرية متكاملة تشمل منصات إطلاق قصيرة ومتوسطة المدى، ونقاط مراقبة، ومراكز اتصال ميدانية، إضافة إلى طرق إمداد داخلية تسمح بإعادة توزيع الذخائر والعناصر بسرعة عند الحاجة.
ولفت المصدر إلى أن منطقة الزهراني اكتسبت خلال المرحلة الأخيرة أهمية مضاعفة، إذ تحولت إلى حزام خلفي لإدارة العمليات والإسناد، مستفيدة من موقعها الذي يربط جنوب لبنان بصيدا والنبطية والبقاع، بعيدًا عن خط المواجهة المباشر.
أما البقاع، فأكد المصدر أنه بات يمثل العمق الاستراتيجي الأبرز للحزب، بعدما تجاوز دوره تخزين السلاح ليصبح مركزًا لإعادة تنظيم القدرات العسكرية وترميم ما خسره الحزب خلال الحرب.
وأوضح أن الحزب خرج من الحرب أضعف مما كان عليه، بعد خسارته عددًا من قادته وآلاف المقاتلين، إلى جانب تراجع جزء من قدراته اللوجستية وحرية حركته، إلا أنه لا يزال يحتفظ بإمكانات عسكرية تتيح له التأثير في المشهد اللبناني وعرقلة أي مسار يستهدف نزع سلاحه بالقوة.
وختم المصدر بالقول: «لم يعد الجنوب هو قلب حزب الله، فالقلب الحقيقي بات موزعًا بين شمال الليطاني والزهراني والبقاع، وهو ما يجعل التعامل مع هذه البنية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى».

