حرب الرئيس الدبلوماسية تسقط أقنعة الممانعة: اتفاق الإطار لبناني خالص.. ولو كان بإملاء إيراني لبلعوا ألسنتهم!

جوزيف عون
"لو كان هذا الاتفاق نفسه، بنقوده وتفاصيله، قد طُبخ في غرف المفاوضات الإيرانية - الأميركية السريعة، أو خرج كجزء من ترتيبات صفقة إقليمية ترعاها طهران، ألم تكن هذه الأبواق نفسها لتخرج لتبارك الإنجاز وتصفه بالنصر الإلهي والدبلوماسية الذكية؟"

في المنعطفات التاريخية والمفاصل الكبرى التي تحدد مصير الأوطان، تنجلي الحقائق وتتساقط الأقنعة التي طالما التحفت بشعارات الممانعة والدفاع عن الأرض. واليوم، يقف لبنان أمام مشهد استراتيجي جديد بطلته الأولى والوحيدة هي «الدولة اللبنانية» بمؤسساتها الشرعية، التي آثرت خوض معركة مغايرة في أدواتها، لكنها موازية في قيمتها وجسارتها لأي عمل وطني، إنها معركة «الحرب الدبلوماسية» لاسترداد السيادة وتحرير الأرض عبر اتفاقية الإطار التي أبرمت في العاصمة الأميركية واشنطن عقب خمس جولات من المحادثات المباشرة والشاقة.

هذه الاتفاقية التي وضعت مصلحة لبنان والجنوبيين أولاً، لم تسلم من سهام «بيوتات التخوين» الجاهزة وصالونات الممانعة التي سارعت، عبر ماكيناتها الإعلامية وأبواقها، إلى إطلاق أحكام «العمالة والإذعان».

غير أن المواقف والتوضيحات الحاسمة والمستمرة التي أطلقها رئيس الجمهورية جوزيف عون، مدعومةً برؤية رئيس الحكومة، جاءت لتُخرس تلك الأبواق وتكشف زيف هذا الرفض المصطنع، وتضع النقاط على الحروف في كتاب السيادة الحقيقية.

منطق الدولة في مواجهة ثقافة الاستنزاف: التفاوض معركة كرامة

جاءت تصريحات الرئيس جوزيف عون، خلال الأيام الماضيين، لتشكل قاعدة فكرية وسياسية صلبة في تشريح مفهوم السيادة الوطنية. فالرئيس عون لم يتحدث من موقع المدافع، بل من موقع القائد الذي يدير دفة المواجهة الدبلوماسية لحماية ما تبقى من وطن أرهقته الحروب العبثية والقرارات المصادرة.

إن القراءة الهادئة لموجة التخوين التي قادها حزب الله ضد الاتفاق الإطاري، تكشف عن حجم «الانفصام السياسي» وازدواجية المعايير التي تحكم هذا المحور

تأكيد الرئيس بأن «التفاوض ليس خيانة بل حرباً دبلوماسية» يضرب في عمق السردية الخشبية التي تحاول تصوير أي جهد ديبلوماسي رسمي على أنه تنازل. فالشرعية اللبنانية، بوفدها المفاوض المدني والعسكري الذي بذل جهداً جباراً في واشنطن، لم تفرط ولن تفرط في شبر واحد من تراب الوطن، بل إن صيغة الإطار المنجزة جاءت لتثبّت الثوابت اللبنانية وتضمنها بشكل كامل، كخيار أسلم وأقل كلفة لإنهاء مسلسل نزيف الأرواح والممتلكات.

تأكيد الرئيس بأن «التفاوض ليس خيانة بل حرباً دبلوماسية» يضرب في عمق السردية الخشبية التي تحاول تصوير أي جهد ديبلوماسي رسمي على أنه تنازل

الحقيقة التي تحاول أبواق الممانعة حجبها بالصراخ والاتهامات الفضفاضة، هي أن «مفهوم السيادة» يكمن في قدرة الدولة على اتخاذ قرارها المستقل، وحين تقرر الدولة الذهاب إلى التفاوض لتحصيل حقوقها وضمان انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من القرى التي احتلها وجرفها في ما يسمى «الخط الأصفر»، فإن على من يحترم السيادة فعلاً أن ينحني لقرار الدولة ومؤسساتها، لا أن ينصب نفسه وصياً عليها أو حكماً فوقها.

ازدواجية المعايير: لو كان الختم إيرانياً لخرست الألسن!

إن القراءة الهادئة لموجة التخوين التي قادها حزب الله ضد الاتفاق الإطاري، تكشف عن حجم «الانفصام السياسي» وازدواجية المعايير التي تحكم هذا المحور. فالسؤال الجوهري الذي يطرحه الشارع اللبناني اليوم، ويشكل إدانة مباشرة لمنطق الرفض المطلق، هو:

“لو كان هذا الاتفاق نفسه، بنقوده وتفاصيله، قد طُبخ في غرف المفاوضات الإيرانية – الأميركية السريعة، أو خرج كجزء من ترتيبات صفقة إقليمية ترعاها طهران، ألم تكن هذه الأبواق نفسها لتخرج لتبارك الإنجاز وتصفه بالنصر الإلهي والدبلوماسية الذكية؟”

بالتأكيد، كانوا سيعمدون إلى «بلع ألسنتهم»، والبحث في قاموس المفردات عن تبريرات تسوق التراجع والواقعية كحكمة بالغة. لكن الخطيئة الكبرى للاتفاق الإطاري الحاضر، في نظرهم، ليست في مضمونه ولا في سعيه لإنقاذ بلدات الجنوب المدمرة، بل خطيئته الكبرى أنه «اتفاق لبناني خالص»، خرج من رحم المؤسسات الدستورية اللبنانية، وبعيداً كلياً عن أروقة القرار في طهران وحسابات النفوذ الإقليمي. إن غضبهم نابع من كون الدولة اللبنانية قررت، ولأول مرة منذ عقود، أن تتحدث باسم شعبها مباشرة دون وسيط أو كفيل إقليمي.

كلفة المغامرات غير المحسوبة وحق الجنوبيين في الأمان

لا يمكن عزل الاتفاق الإطاري عن السياق المأساوي الذي فرضه على اللبنانيين منذ الثاني من مارس، حين قرر حزب الله إدخال البلاد في أتون مواجهة مدمرة عبر إطلاق الصواريخ والمسيرات تحت عنوان ردود الفعل الإقليمية. تلك الخطوة المنفردة دفع كفتها المواطن اللبناني، ولا سيما أهل الجنوب الذين تحملوا العبء الأكبر من حملة الغارات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت قراهم، وضاحية بيروت الجنوبية، والبقاع، وأدت إلى احتلال عشرات البلدات وتدميرها بالكامل.

أمام هذا الواقع الميداني الكارثي، يأتي الاتفاق الإطاري ليؤمن طريق الخروج من المأزق؛ فهو يهدف لترتيبات أمنية دائمة تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً يتزامن مع انتشار وتثبيت الجيش اللبناني كقوة شرعية وحيدة لحماية الحدود وسكانها. وهنا تبرز أهمية كلام الرئيس عون الذي يتردد صداه في كل بيت جنوبي:

“لقد آن للبنان الخروج من زمن الحروب والوصايات، وغالبية اللبنانيين تؤيد هذا الطريق، لا سيما أهل الجنوب الذين يحق لهم العيش بكرامة وأمان.”

إن الكرامة الحقيقية لا تعني العيش فوق الأنقاض وتحت رحمة مغامرات لا أفق لها، بل تعني استعادة الدولة لقدرتها على حماية مواطنيها، وتأمين عودتهم إلى قراهم بضمانات دولية، وإعادة إعمار ما هدمته الحرب، وهو ما تؤمنه المظلة الدبلوماسية الحالية.

شبكة الأمان الدولية والإقليمية: اقتناص الفرصة التاريخية

في عالم العلاقات الدولية، لا تملك الدول الضعيفة ترف إضاعة الفرص أو التفريط بالدعم الخارجي لصالح شعارات شعبوية. ومن هنا، يضع الرئيس عون والقيادة الحكومية مصلحة لبنان العليا فوق أي اعتبار آخر، من خلال التشديد على ضرورة عدم التفريط بالدعم الأميركي الواضح، وبمواقف الاتحاد الأوروبي، والدول الخليجية الشقيقة التي تقف مستعدة لمؤازرة لبنان في التوصل إلى حل دائم واستعادة عافيته الاقتصادية والإنشائية.

أمام هذا الواقع الميداني الكارثي، يأتي الاتفاق الإطاري ليؤمن طريق الخروج من المأزق؛ فهو يهدف لترتيبات أمنية دائمة تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً يتزامن مع انتشار وتثبيت الجيش اللبناني كقوة شرعية وحيدة لحماية الحدود وسكانها. وهنا تبرز أهمية كلام الرئيس عون الذي يتردد صداه في كل بيت جنوبي

إن العزلة الدولية التي يريد البعض جر لبنان إليها، عبر رفض المسار الدبلوماسي، هي انتحار جماعي. والاتفاق الحالي ليس صك إذعان كما تزعم الأبواق، بل هو أداة قانونية دولية تُجبر المجتمع الدولي على تحمل مسؤولياته تجاه سيادة لبنان، وتضع الجانب الإسرائيلي أمام التزامات واضحة بالانسحاب تحت رعاية دولية، وهو المسار العاقل الذي يتبعه رجال الدولة الحقيقيون في مواجهة لغة الفوضى.

الدولة هي المآل الأخير

لقد وضعت توضيحات بعبدا والسراي الحكومي حداً نهائياً لسياسة المزايدات؛ فالدولة اللبنانية، عبر دخولها الحرب الدبلوماسية، أثبتت أنها ليست قاصرة، وأنها تملك الشجاعة الكافية لانتزاع حقوقها الوطنية دون الحاجة إلى تفويض من فصيل أو إملاء من عاصمة إقليمية.

إن سيل الاتهامات والتخوين الذي انطلق عقب توقيع اتفاقية الإطار سقط أمام منطق الشرعية والواقعية السياسية. وحقائق التاريخ تؤكد أن أبواق التخوين تذهب وتبقى الدولة ومؤسساتها هي الملاذ والمآل الأخير للمواطنين. لقد اختار لبنان، عبر رئيسه وحكومته وجيشه وأهل جنوبه، طريق الكرامة، والاستقرار، والسيادة الناجزة، وأغلق الباب نهائياً أمام زمن الحروب العبثية والوصايات المقنعة.

السابق
في زيارة تاريخية لبيروت.. وزير خارجية سوريا: منفتحون على الحوار مع «حزب الله» إذا اقتضت مصلحة البلدين
التالي
الجيش الإسرائيلي يعلن انتهاء مهام لواء «غفعاتي» في جنوب لبنان