شهدت أروقة مجلس الأمن الدولي مواجهة ديبلوماسية حادة وعاصفة، تزامنت مع جولة محادثات غير مباشرة معقدة في الدوحة بين واشنطن وطهران. وفي حين تبحث القوى الدولية عن تثبيت بنود «مذكرة التفاهم» المبرمة في 17 حزيران الماضي بوساطة باكستانية وقطرية، تحول مضيق هرمز إلى بؤرة توتر أمني وسياسي جديدة، بعد فرض إيران مسارات ملاحة إجبارية تحت طائلة الرد الحاسم، وهو ما قوبل بموجة تنديد دولية وعربية واسعة داخل مجلس الأمن طالبت بالوقف الفوري للاعتداءات الإيرانية وضمان حرية الملاحة.
منبر مجلس الأمن: تنديد بحريني وتحذير أميركي شديد اللهجة
خلال الجلسة المخصصة لمناقشة الأوضاع الإقليمية، شن وزير خارجية البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، هجوماً عنيفاً على السياسات الإيرانية، مؤكداً أن طهران استهدفت مناطق مأهولة بالمدنيين في خرق فاضح لـ«مذكرة التفاهم». وأضاف الزياني حاسماً: «ما تعرضت له مملكة البحرين مؤخراً هو مكمّل لسلسلة من الاعتداءات الإيرانية المتكررة التي تشكل انتهاكاً صريحاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي»، مطاباً المجلس بإدانة فورية وشاملة لهذا النهج الإيراني القائم على عدم الوفاء بالالتزامات.
وفي السياق نفسه، صعدت الولايات المتحدة من لهجتها؛ إذ أكد المندوب الأميركي لدى مجلس الأمن، مايك والتز، أن إيران تجاهلت تماماً تعهداتها بموجب التفاهمات الأخيرة مع واشنطن، ولم تظهر الحد الأدنى من الاحترام للمجتمع الدولي. ووجّه والتز تحذيراً مباشراً وعالي النبرة، أشار فيه إلى «نفاد صبر الرئيس دونالد ترامب تجاه التجاوزات الإيرانية المستمرة»، مشدداً على أن واشنطن لن تسمح لطهران بأخذ الاقتصاد العالمي رهينة عبر تهديد الممرات المائية.
من جانبه، ركّز المندوب البريطاني، جيمس كاريوكي، على البعد القانوني للملاحة الدولية، مطالباً بضرورة فتح مضيق هرمز فوراً وفقاً لنصوص القانون الدولي، وإلزام طهران بنزع أي فتيل للتهديد أو العنف أو فرض الرسوم الجمركية غير القانونية في المضيق.
التصعيد الميداني: الحرس الثوري يفرض «الأمر الواقع» في هرمز
هذا الحراك الديبلوماسي قوبل بتصعيد ميداني لافت من جانب طهران؛ إذ ألزمت السلطات الإيرانية جميع ناقلات النفط باستخدام مسارات بحرية محددة ومعتمدة حصراً من قِبلها للمرور عبر مضيق هرمز، مهددة بـ«رد حاسم» ضد المخالفين.
ونقل التلفزيون الإيراني الرسمي بياناً حاداً عن الحرس الثوري الإيراني، حذر فيه من أن «أي إخفاق في الامتثال، أو أي انحراف عن المسارات المحددة، سيعرّض أمن السفن المخالفة للخطر المباشر». كما اعتبر البيان أن استمرار تحليق المقاتلات الأميركية فوق أجواء المضيق يمثل عنصراً أساسياً في انعدام الأمن بهذا الممر المائي الحيوي.
كواليس محادثات الدوحة: تفاوض على وقع النار والأموال المجمدة
على المقلب الآخر من المشهد، اختتمت واشنطن وطهران في الدوحة جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة برعاية وسطاء قطريين وباكستانيين، في محاولة لتهدئة التوترات الميدانية التي أعقبت ضربات متبادلة بين الطرفين.
وتأتي هذه المحادثات كجزء من مسار تفاوضي مدته 60 يوماً قابلة للتجديد (انطلق منتصف حزيران الماضي)، بموجب «مذكرة التفاهم» المؤلفة من 14 بنداً، والتي تهدف إلى وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، وحل الترتيبات المعقدة لمضيق هرمز، فضلاً عن تحديد آليات تمويل إعادة إعمار إيران ومستقبل برنامجها النووي.
ورغم الأجواء المشحونة، قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب والوسطاء مؤشرات على رغبتهم في إبقاء القنوات الديبلوماسية مفتوحة؛ إذ أشار بيان قطري-باكستاني مشترك إلى «إحراز تقدّم إيجابي» في الاجتماعات المنفصلة التي عُقدت مع الوفدين الأميركي والإيراني.
وفي ختام المداولات، كشف رئيس الوفد الإيراني المفاوض، نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، عن خطوتين بارزتين شكّلتا جوهر المستجدات الحالية:
- أولاً: الاتفاق على إنشاء قناة اتصال ميدانية فورية للإبلاغ عن أي انتهاكات محتملة لـ«مذكرة التفاهم» وتوثيقها رسمياً لمنع التدحرج نحو مواجهة شاملة.
- ثانياً: إحراز تقدم في ملف الأصول الإيرانية المجمدة؛ حيث بحثت الوفود استخدام جزء من حزمة مالية أولية بقيمة 6 مليارات دولار، وتم الاتفاق على تخصيصها لشراء وتأمين السلع الأساسية والحيوية التي تحتاجها إيران كجزء من التسوية الشاملة.

