رؤية الأمين وفحص تتصدر المشهد: زيارة الشيباني تُثبت صوابية الاستشراف الشيعي الباكر

محمد حسن الامين وهاني فحص
يمكن القول إن زيارة الوزير أسعد الشيباني إلى بيروت صبّت، من حيث تدري أو لا تدري، في خانة رد الاعتبار المعنوي والسياسي لأطروحة العلامة السيد محمد حسن الأمين والعلامة السيد هاني فحص. لقد أثبتت الأيام وعثرات الحروب أن الصيغة اللبنانية الفريدة، والاندماج الشيعي الكامل في نسيج الدولة والوطن، والتعامل مع الجار السوري من نِدّية ديبلوماسية، هي الخيارات الوحيدة القادرة على حماية البلاد والعباد.

لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى العاصمة اللبنانية بيروت، مجرد محطة ديبلوماسية عابرة في جدول أعمال البلدين، بل جاءت بمثابة إعلان سياسي رسمي عن ولادة «سوريا الجديدة»؛ سوريا التي تبحث عن تموضع إقليمي مختلف يقوم على النِدّية، والاعتراف بالسيادة، والوقوف على مسافة واحدة من جميع المكونات اللبنانية.

إلا أن الأبعاد الأكثر عمقاً لهذه الزيارة تجلت في الكواليس والمواقف التي نقلها رئيس مجلس النواب نبيه بري عقب لقائه الشيباني، وتحديداً في تلك البنود التي لامست حساسية المشهد الميداني والسياسي المرتبط بـ«حزب الله» والمكون الشيعي في لبنان. هذه المواقف، بقراءتها المتأنية، لا تبدو وليدة اللحظة، بل هي ارتداد تاريخي يعيد الساحة الفكرية والسياسية إلى الوراء أربعة عشر عاماً، لتسلط الضوء من جديد على الطروحات الاستشرافية للراحلين الكبيرين: العلامة السيد محمد حسن الأمين، والعلامة السيد هاني فحص؛ ذلك الثنائي الفكري الذي صاغ خطاً مغايراً في لحظة الاستقطاب الطائفي الحاد عام 2012.

كواليس لقاء بري-الشيباني: ملامح «الحياد الإيجابي» لدمشق

خلال محادثاته المطولة في بيروت، حرص الوزير السوري على صياغة لغة ديبلوماسية هادئة وحذرة تجاه القوى اللبنانية، وهو ما تلمسه الرئيس نبيه بري بوضوح وعبر عنه في حديثه لوسائل الإعلام. فقد برزت محددات رئيسية ترسم النظرة السورية الراهنة لـ«حزب الله»:

  • غياب الموقف العدائي: أكد الرئيس بري بوضوح أنه لم يلمس من الشيباني أي نبض عدائي أو رغبة في الصدام مع الحزب، مما يعكس رغبة دمشق في تجنب إثارة الحساسيات الداخلية.
  • المسؤولية والشمولية: تحدث الوزير السوري بمسؤولية حيال التنوع اللبناني، متجاوزاً لغة الإقصاء أو استهداف أي طرف بناءً على تموضعه السابق في الأزمة السورية.
  • الاستعداد المشروط للانفتاح: فتحت دمشق الباب أمام إمكانية التواصل واللقاء المباشر مع «حزب الله»، لكنها وضعت لذلك شرطاً جوهرياً وهو: «أن تقتضي المصلحة اللبنانية والسورية المشتركة ذلك»، في إشارة إلى تحكيم منطق الدولة والمصالح العليا على منطق المحاور العقائدية.
  • الوقوف على مسافة واحدة: شدد الشيباني على أن سوريا لن تكون طرفاً في النزاعات اللبنانية الداخليّة، ولن تنحاز لمكون على حساب آخر.

هذه المحددات تشير بوضوح إلى تراجع دمشق عن فكرة «الحليف العضوي الأوحد» إلى فكرة «التعامل مع دولة مستقلة بمكوناتها كافة»، وهو تحول بنيوي يتقاطع بصورة مذهلة مع ما نادى به العقلاء في لبنان منذ أزيد من عقد.

بيان السيدين فحص والأمين: نبوءة الاستشراف المبكر

لإدراك حجم التحول الذي تحمله زيارة الشيباني اليوم، لا بد من العودة إلى التاريخ؛ إلى اللحظة المشتعلة من عام 2012، حينما كان أتون الحرب السورية في بداياته، وكانت العواطف المذهبية والشعارات العقائدية تدفع باتجاه انخراط ميداني كامل لـ«حزب الله» في القتال الدائر داخل سوريا. في تلك الأجواء العاصفة، ارتفع صوتان من قلب الحوزة العلمية والفكرية الشيعية في جنوب لبنان: العلامة السيد محمد حسن الأمين والعلامة السيد هاني فحص.

أطلق السيدان بياناً مدوياً، حمل في جوهره رؤية استراتيجية وفقهية وأخلاقية، حذرت من خطورة زج الطائفة الشيعية والمكونات اللبنانية في الصراع السوري الداخلي. تلخصت رؤية السيدين الجليلين آنذاك في نقاط أساسية:

  1. رفض زج الطائفة في حرب المحاور: اعتبر السيدان أن إقحام الشباب اللبناني والشيعي في حرب داخل الجغرافيا السورية سيعود بضرر مستدام على علاقة المكونات اللبنانية ببعضها، وعلى علاقة الشيعة بمحيطهم العربي والإسلامي الواسع.
  2. أولوية حسن الجوار والسيادة: شدد البيان على أن استقرار سوريا وصيانة قرارها هو شأن داخلي، وأن على لبنان التزام حدوده وصيانة أمنه الداخلي دون التدخل في شؤون الآخرين، تجنباً لتجريد لبنان من عمقه الطبيعي واستدراجه إلى صراعات لا تنتهي.
  3. الاستشراف الأخلاقي والإنساني: انطلق السيدان من ثوابت فكرية ترفض الدموية، وترى أن قوة الطائفة الشيعية في لبنان تنبع من اندماجها في مشروع الدولة اللبنانية، وليس من تحولها إلى رأس حربة في صراعات إقليمية عابرة للحدود.

ميزان التاريخ: صوابية الخيار البديل

اليوم، وبعد مضي أربعة عشر عاماً مليئة بالدماء، والدمار، والتحولات الكبرى التي عصفت بالمنطقة، تأتي زيارة الوزير أسعد الشيباني ومواقفه المتوازنة لتضع تلك النبوءة الفكرية في ميزان التقييم السياسي الفعلي.

إن حديث سوريا اليوم عن «الندية، والاعتراف الكامل بسيادة كل دولة، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع»، هو اعتراف ديبلوماسي متأخر بأن الخيار الصحيح والمستدام لم يكن يوماً في تذويب الحدود أو الانخراط في الحروب الأهلية للدول المجاورة، بل في تعزيز منطق «الدولة إلى الدولة»؛ وهو تماماً الشعار الذي رفعه السيدان فحص والأمين عندما طالبا بحماية الحضور الشيعي اللبناني تحت سقف الدولة اللبنانية وحدها، دون رهنه بتقلبات النظام في دمشق أو طهران.

إقرأ أيضا: في زيارة تاريخية لبيروت.. وزير خارجية سوريا: منفتحون على الحوار مع «حزب الله» إذا اقتضت مصلحة البلدين

تبين بالدليل القاطع أن الرهانات العسكرية، رغم ما حققته من توازنات ميدانية مؤقتة في لحظات معينة، لم تمنح استقراراً دائماً. فها هي دمشق تبحث عن مصالحها الحيوية عبر توقيع اتفاقيات لجان عليا مشتركة مع حكومة لبنانية تمثل كل الأطياف، وتعلن استعدادها للحوار مع «حزب الله» كـ«مكون لبناني» من بين مكونات أخرى، وليس كشريك عقائدي فوق الدولة. هذا التحول يؤكد بوضوح أن حصر خيارات الطائفة في مواجهة محيطها كان استنزافاً طويلاً، وأن الرؤية الهادئة التي قدمها علماء الدين التنويريون كانت الأكثر قراءة للمستقبل والأكثر حرصاً على حماية الكيان الشيعي واللبناني من التداعيات الكارثية.

الارتدادات على الواقع اللبناني الراهن

تفرض هذه الزيارة ومناخاتها واقعاً جديداً يتطلب من كافة القوى السياسية، لا سيما تلك التي قادت الانخراط الميداني، مراجعة نقدية شجاعة. فالخطر الإسرائيلي المستمر والتوغلات التي طالت الجنوب السوري والجنوب اللبناني، والتي وصفها الرئيس بري بأنها «هم مشترك»، باتت تستدعي تنسيقاً أساسه القوانين الدولية وحماية السيادة، لا منطق الميليشيات أو الفصائل العابرة للحدود.

عندما يقول بري متهكماً عن اتفاق الإطار مع إسرائيل «العوض بسلامتك»، ويكشف أن التنسيق مع سوريا هو الممر الإجباري للجغرافيا اللبنانية، فإنه يقر عملياً بأن لبنان محكوم بجغرافيته وحسن جواره، وهو ما يفرض العودة إلى الأصول الدستورية والديبلوماسية. إن انفتاح دمشق المشروط على «حزب الله» يسحب البساط من تحت الذرائع التي حاولت تصوير الحرب في سوريا كمعركة وجودية دائمة، ويؤكد أنها كانت جولة سياسية أمنية انتهت، لتبدأ مرحلة المصالح والاتفاقيات الدولية والبحث عن الترتيبات الأمنية الجديدة (كالقوات الدولية البديلة المنتظر انتشارها بالتنسيق بين باريس وروما).

تحية إلى وعي لم يمت

في الختام، يمكن القول إن زيارة الوزير أسعد الشيباني إلى بيروت صبّت، من حيث تدري أو لا تدري، في خانة رد الاعتبار المعنوي والسياسي لأطروحة العلامة السيد محمد حسن الأمين والعلامة السيد هاني فحص. لقد أثبتت الأيام وعثرات الحروب أن الصيغة اللبنانية الفريدة، والاندماج الشيعي الكامل في نسيج الدولة والوطن، والتعامل مع الجار السوري من نِدّية ديبلوماسية، هي الخيارات الوحيدة القادرة على حماية البلاد والعباد.

إن المراجعة النقدية الراهنة التي تفرضها الديبلوماسية السورية الجديدة تثبت أن أصوات العقلاء، وإن حوربت أو هُمّشت في لحظات الهياج الطائفي، تظل هي البوصلة الحقيقية التي تهتدي بها الأوطان عندما تنطفئ نيران الحروب وتستيقظ لغة المصالح والسيادة وحسن الجوار. وطوبى لوعي استشرف المستقبل قبل أربعة عشر عاماً، ورحل أصحابه وهم مطمئنون إلى أن التاريخ لا يصح في النهاية إلا الصحيح.

السابق
بزشكيان يدعو لـ«تظاهرة وحدة تاريخية» في وداع خامنئي.. وطهران تستعد لتشييع مهيب