في زيارة حملت أبعادًا سياسية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، افتتح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية – السورية، واضعًا حدًا رمزيًا لإرث عقود من الوصاية والتدخل الذي طبع عهد النظام الأسدي. فمن قصر بعبدا إلى عين التينة والسراي الحكومي، مرورًا بكليمنصو والصيفي ودار الفتوى ومعراب، بدا واضحًا أن دمشق الجديدة تريد مخاطبة الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها، كما مختلف القوى السياسية، من دون استثناء أو اصطفاف.
الرسالة الأبرز التي حملها الشيباني تمثلت في التأكيد أن سوريا لم تعد تنظر إلى لبنان كساحة نفوذ، بل كشريك مستقل تربطه بها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل للسيادة والحدود، في تحول سياسي يعكس توجهات الرئيس السوري أحمد الشرع بإغلاق صفحة الماضي وفتح باب التعاون.
نفي التدخل العسكري… وانفتاح على الجميع
وخلال لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين، حرص الوزير السوري على تبديد المخاوف التي أثيرت أخيرًا بشأن احتمال تدخل عسكري سوري في لبنان، مؤكداً بصورة قاطعة أن دمشق “لا نية لديها للقيام بأي خطوة من هذا النوع”، وأنها تؤمن بأن الحوار وحده هو الطريق لمعالجة الأزمات.
ولم يغلق الشيباني الباب أمام أي مكون سياسي لبناني، إذ شدد على أن سوريا تتعامل مع جميع الأطراف، مؤكداً أن لقاء “حزب الله” يبقى ممكنًا إذا اقتضت المصلحة، في إشارة إلى اعتماد مقاربة براغماتية تقوم على الانفتاح لا الاصطفاف.
اللجنة العليا… إطار جديد للتعاون
الإنجاز العملي الأبرز للزيارة تمثل في توقيع اتفاق إنشاء اللجنة العليا اللبنانية – السورية، التي ستشكل منصة دائمة للتنسيق بين الوزارات في ملفات الاقتصاد والطاقة والنقل والأمن والحدود.
وأكد رئيس الحكومة نواف سلام أن المرحلة المقبلة ستشهد تعاونًا في مشاريع الربط الكهربائي، وتسهيل حركة العبور والتبادل التجاري، فيما وصف الشيباني اللجنة بأنها الإطار الذي سيقود عملية تجاوز “الإرث السيئ” الذي حكم العلاقات بين البلدين طوال العقود الماضية.
بري يفتح ملف السلاح… ورسائل متقاطعة
وبالتزامن مع الحراك السوري، برز موقف لرئيس مجلس النواب نبيه بري اكتسب أهمية استثنائية، بعدما أكد أن الدولة يجب أن تكون المرجعية الوحيدة للسلاح، معلنًا استعداد “حزب الله” للانسحاب من جنوب الليطاني بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
هذا الموقف جاء في وقت شدد فيه الشيباني على أن ملف الحزب لم يكن محور لقائه مع بري، في محاولة للفصل بين مسار العلاقات اللبنانية – السورية وبين النقاش الداخلي اللبناني حول السلاح واتفاق الإطار الموقع في واشنطن.
بين دعم الاتفاق ورفضه… الانقسام مستمر
وفي موازاة الانفتاح السوري، بقي اتفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي محور الانقسام الداخلي. فبينما اعتبر رئيس حزب الكتائب سامي الجميل أن الاتفاق يشكل فرصة تاريخية لاستعادة سيادة الدولة وإنهاء الاحتلال من دون حرب، ورأى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أنه يفتح الباب أمام إنهاء واقع السلاح خارج الدولة، واصل “حزب الله” هجومه على الاتفاق، واصفًا إياه بأنه “اتفاق إذعان” يمس بالسيادة والحقوق الوطنية.
وبذلك، جاءت زيارة الشيباني لتؤكد أن العلاقات اللبنانية – السورية دخلت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها التعاون واحترام السيادة، لكنها تزامنت أيضًا مع مرحلة داخلية لبنانية شديدة الحساسية، حيث يتقاطع النقاش حول مستقبل السلاح، واتفاق الإطار، ودور الدولة، مع إعادة رسم التوازنات الإقليمية التي بدأت ملامحها ترتسم في بيروت ودمشق معًا.

