لم يكن الخبر الذي تلقاه أبناء الجنوب، أمس، عادياً. فبعد أكثر من ربع قرن على إسقاط بوابات الاحتلال الإسرائيلي في أيار 2000، عادت إسرائيل إلى إنشاء بوابات عبور جديدة داخل المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان، في مشهد أعاد إلى ذاكرة الجنوبيين زمن احتلالها، حين كانت المعابر الحدودية التي يسيطر عليها جيش الاحتلال تتحكم بحركة دخول وخروج الناس من والى البلدات والمدن الحدودية المحتلة، وكان تلك المساحة المحتلة التي عادت اسرائيل واحتلتها مجددا في الحرب الاخيرة تُسمى بـ “الشريط الحدودي” .
فبحسب الوكالة الوطنية للإعلام، أقام الجيش الإسرائيلي “بوابات” بين النسق الأول والثاني وتشمل المنطقة الصفراء والمنطقة الحدودية وجنوب نهر الليطاني، بالتزامن مع عمليات تجريف واسعة للطرق الممتدة من منطقة حامول عند أطراف الناقورة وصولاً إلى بلدة عيتا الشعب، فيما أرجأت تل أبيب المرحلة التجريبية للانسحاب من بعض البلدات الجنوبية، بانتظار استكمال الترتيبات الأمنية الجديدة.
من التحرير إلى عودة البوابات
هذا المشهد لم يكن ليخطر في بال أي جنوبي قبل سنوات قليلة. فالمنطقة التي احتفلت عام 2000 بإزالة بوابة فاطمة وسقوط الشريط الحدودي، تجد نفسها اليوم أمام بوابات جديدة، وإن اختلفت الأسماء والعناوين. والنتيجة واحدة بالنسبة إلى الأهالي: قوات إسرائيلية تتمركز داخل أراضٍ لبنانية، وتعيد تنظيم وجودها، بدلاً من الانسحاب منها.
هنا تبدأ الأسئلة الصعبة التي لا يمكن تجاهلها. فلو لم يفتح حزب الله جبهة الجنوب تحت عنوان “حرب الإسناد”، هل كانت إسرائيل ستعود أصلاً إلى احتلال بلدات حدودية لبنانية؟
ولو لم تتحول القرى الجنوبية إلى ساحات مواجهة مفتوحة، هل كانت ستنشئ اليوم بوابات ومعابر عسكرية داخل الأراضي اللبنانية؟
الوقائع الميدانية تقول إن الجنوب الذي خرجت منه إسرائيل عام 2000 بلا تفاوض، عاد بعد ربع قرن ليشهد وجوداً عسكرياً إسرائيلياً جديداً، وقرى مدمرة، وعشرات آلاف النازحين، فيما تنتظر بلدات بأكملها قراراً إسرائيلياً بالانسحاب منها.
وهذا الواقع يفرض سؤالاً أساسياً: من يتحمل مسؤولية إعادة الاحتلال إلى قرى كانت محررة منذ خمسة وعشرين عاماً؟
المعادلة انقلبت
رفع حزب الله طوال سنوات شعار حماية الجنوب ومنع الاحتلال.
لكن المشهد الحالي يبدو معاكساً تماماً. فالبلدات الحدودية لا تزال محتلة. الجيش الإسرائيلي يعزز وجوده فيها. ويؤجل الانسحاب.
ويبني بنية ميدانية جديدة لتنظيم انتشاره.
وفي المقابل، لا يزال آلاف الأهالي عاجزين عن العودة إلى منازلهم، فيما تتوسع الخسائر الاقتصادية والاجتماعية يوماً بعد يوم.
قد تؤكد إسرائيل أن هذه البوابات إجراءات أمنية مؤقتة مرتبطة بتنفيذ اتفاق الإطار، لكن التجارب السابقة تجعل أبناء الجنوب يتعاملون معها بكثير من القلق والحذر.
فالاحتلال يبدأ دائماً بإجراءات ميدانية، ثم يتحول مع الوقت إلى واقع تفرضه القوة إذا لم تتوافر الظروف السياسية والعسكرية لإنهائه.
لذلك، فإن أخطر ما في مشهد اليوم ليس البوابات بحد ذاتها، بل الرسالة التي تحملها: الجنوب الذي احتفل عام 2000 بإزالة بوابات الاحتلال، يشهد اليوم عودتها مجدداً، في مشهد يعتبره كثيرون نتيجة مباشرة للحروب التي خاضها حزب الله، والتي انتهت إلى منح إسرائيل واقعاً ميدانياً لم تكن تملكه منذ التحرير، وإلى وضع إنجاز عام 2000 أمام اختبار هو الأصعب منذ ربع قرن.

