في تحول سياسي بارز يكشف كواليس إعادة ترتيب مراكز القوة في طهران بعد الحرب، كشفت معلومات خاصة حصلت عليها «إيران إنترناشيونال» عن عزم المرشد الإيراني «مجتبى خامنئي» إبعاد رئيس السلطة القضائية «غلام حسين محسني إيجئي» فور انتهاء ولايته الأولى التي استمرت 5 سنوات، وعدم التمديد له لفترة ثانية.
ويمثل هذا التوجه خروجاً استثنائياً عن العرف السائد في إيران منذ قرابة أربعة عقود، والذي يقضي عادةً بالتجديد لرؤساء هذا الجهاز الحساس لولايتين متتاليتين؛ ما يضع خطوة إنهاء مهام «إيجئي» كأول مؤشر جدي على رغبة المرشد الجديد في إعادة بناء قيادة الأجهزة الأمنية والسياسية والقضائية واستبدال الشخصيات الرئيسية بأشخاص أكثر انسجاماً معه في مرحلة ما بعد انتقال السلطة.
وتتقاطع هذه «الإقالة المرتقبة» مع ضغوط وتصفية حسابات تقودها التيارات الأصولية المتشددة التي اتهمت «إيجئي» بالخروج عن توجيهات القيادة عقب تصويته لصالح «مذكرة التفاهم» مع الولايات المتحدة الأميركية.
وفي المقابل، يرى ناشطو حقوق الإنسان أن تبديل الأسماء لن يغير شيئاً في جوهر منظومة القمع، ما لم يشهد سلك القضاء إصلاحاً هيكلياً جذرياً ينهي تبيعيته المطلقة للأجهزة الاستخباراتية والأمنية.
وتشير معلومات خاصة، حصلت عليها “إيران إنترناشيونال”، إلى أن المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، يعتزم قريبًا إبعاد رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، فور انتهاء ولايته الأولى التي استمرت 5 سنوات على رأس هذه المؤسسة، وعدم تمديد ولايته لمدة أخرى مماثلة، خلافًا للتقليد المتّبع.
وبحسب مصادر “إيران إنترناشيونال” داخل إيران، فإنه رغم أن العرف السائد في إيران طوال ما يقرب من أربعة عقود يقضي عادة باستمرار رئيس السلطة القضائية لولايتين مدة كل منهما خمس سنوات، فقد قرر خامنئي تعيين شخصية أخرى بدلًا من إيجئي لإدارة الجهاز القضائي.
وقالت هذه المصادر، التي تحدثت إلى “إيران إنترناشيونال”، شريطة عدم الكشف عن هويتها، إن قرار مجتبى خامنئي بعدم تمديد ولاية إيجئي لا يأتي في إطار إصلاح قضائي، بل يُعد جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب مراكز القوة بعد الحرب الأخيرة. وفي إطار هذه العملية، يسعى المرشد الجديد إلى استبدال الشخصيات الرئيسية في مؤسسات الدولة الأساسية بأشخاص أكثر انسجامًا معه.
وبذلك، فإن قضية إيجئي لا تقتصر على مجرد تعيين قضائي، بل إن إنهاء مهامه قد يشكل أول مؤشر جدي على سعي مجتبى خامنئي إلى إعادة بناء قيادة الأجهزة القضائية والأمنية والسياسية للنظام الإيراني في مرحلة ما بعد انتقال السلطة.
ضغوط من التيار الأصولي على إيجئي
يأتي هذا القرار في وقت تصاعدت فيه انتقادات “الأصوليين” لرئيس السلطة القضائية، عقب إعلان أسماء الذين صوّتوا داخل المجلس الأعلى للأمن القومي لصالح “مذكرة التفاهم” مع الولايات المتحدة.
ويقول منتقدوه إنه في الوقت الذي أكد فيه مجتبى خامنئي في رسالته أنه كان، من حيث المبدأ، يتبنى موقفًا مختلفًا بشأن مذكرة التفاهم، فإن تصويت إيجئي بالموافقة جاء متعارضًا مع الموقف الذي أعلنه المرشد الإيراني.
إضافة إلى ذلك، ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة مؤشرات على وجود استياء داخل أوساط الحكم من أداء إيجئي خلال السنوات الخمس التي ترأس فيها السلطة القضائية، وذلك في كتابات ورسائل رسمية وشبه رسمية صادرة عن جهات قريبة من بنية السلطة.
وفي رسالة وجهها بمناسبة أسبوع السلطة القضائية، لم يمنح مجتبى خامنئي تأييدًا واضحًا لاستمرار إيجئي، بل خاطب السلطة القضائية مباشرة، مؤكّدًا ضرورة “تفعيل” المطالب نفسها التي كان والده المرشد الراحل، علي خامنئي، قد دعا السلطة القضائية إلى تحقيقها سابقًا.
وجاء في رسالة خامنئي، مع تكرار الشعارات المتعلقة بالتنفيذ الفعلي لوثيقة التحول القضائي، التأكيد على مكافحة الفساد داخل السلطة القضائية، وإحياء الحقوق العامة، وإغلاق باب الوساطات والتوصيات، وتعزيز التواصل مع المواطنين.
محاولة إيجئي غير الناجحة للبقاء
في رسالة وجّهها إلى خامنئي في اليوم التالي لرسالة الأخير، مستخدمًا لغة وصفت بأنها متملقة، تحدث إيجئي عن أداء السلطة القضائية واستمرار مسار “التحول القضائي”، وكتب: “إنني، وجميع مكونات السلطة القضائية، نعتبر أنفسنا ملزمين بالتنفيذ الدقيق والسريع، ودون أي تنازل، لأوامركم الواجبة الاتباع”.
وانتقدت وسائل إعلام وشخصيات، مقربة من السلطة، إيجئي، معتبرة أنه كان ينبغي له أن يبعث بهذه الرسالة قبل نشر رسالة خامنئي، كما اعتبرت أن إعادة المرشد الإيراني الجديد التأكيد على مطالب والده تمثل دليلاً على تقييم سلبي لأداء إيجئي، وكتبت أن تكرار هذه المطالب يعني أن السلطة القضائية خلال فترة رئاسته لم تتمكن من تحويلها إلى نتائج عملية.
وفي الوقت نفسه، بدأت بعض وسائل الإعلام المقربة من التيارات المنافسة داخل النظام شن هجمات حادة على إيجئي، متهمة إياه بالابتعاد عن توجيهات القيادة.
وفي المقابل، وصفت وسائل إعلام مقربة من تيار رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، وحكومة الرئيس مسعود بزشكيان هذه الهجمات بأنها جزء من جهود يقودها تيار المرشح الرئاسي السابق المتشدد، سعيد جليلي، و”جبهة الصمود” لإحداث شرخ بين قادة النظام وإضعاف المسار السياسي الجديد بعد الحرب.
وفي المقابل أيضًا، حاولت وسائل إعلام قريبة من البنية الرسمية للسلطة القضائية والتيارات الداعمة لإيجئي خلال الأيام الأخيرة تقديم حصيلة سنواته الخمس على أنها ناجحة، مشيرة إلى تقليل اللجوء إلى السجن، والتقاضي الإلكتروني، وتقليص مدة الفصل في القضايا، ومكافحة الفساد، وتعزيز التواصل مع المواطنين بوصفها أبرز إنجازات عهده.
مرحلة طويلة من القمع
على خلاف الروايات المتداولة داخل أجنحة النظام، تقدم المؤسسات والنشطاء الحقوقيون صورة مختلفة وأكثر دقة عن إيجئي والسلطة القضائية.
فمن وجهة نظر منتقدي أوضاع حقوق الإنسان، لا يُنظر إلى إيجئي بوصفه شخصية إصلاحية داخل الجهاز القضائي، بل باعتباره أحد الوجوه القديمة والمؤثرة في منظومة القمع التابعة للنظام الإيراني.
فهو شخصية شغلت مواقع عليا في مختلف مفاصل الأجهزة الأمنية والقضائية الإيرانية، بدءًا من المحكمة الخاصة برجال الدين ووزارة الاستخبارات، مرورًا بمنصب النائب الأول لرئيس السلطة القضائية، وصولاً إلى رئاسة هذه السلطة.
ويقول نشطاء حقوق الإنسان إن فترة رئاسة إيجئي للسلطة القضائية شهدت استمرار إصدار وتنفيذ أحكام قاسية بحق المحتجين، والنشطاء السياسيين، والصحافيين، وسجناء الرأي، والأقليات.
ويضيفون أن السلطة القضائية واصلت خلال هذه الفترة أداء دور الذراع القانونية والتنفيذية للأجهزة الأمنية، وأصدرت الأحكام في القضايا السياسية والأمنية وفقًا لرغبات تلك الأجهزة.
كما يؤكد منتقدو أوضاع حقوق الإنسان أن المشكلة الأساسية في السلطة القضائية الإيرانية لا تكمن في شخص رئيسها، وإنما في بنيتها نفسها.
وبحسب هؤلاء، فإن الجهاز القضائي في إيران يفتقر إلى الاستقلال الحقيقي، حيث يعمل القاضي، والمدعي العام، وضباط الأجهزة الأمنية، والمؤسسات الاستخباراتية، في القضايا السياسية والأمنية، كحلقة واحدة مترابطة.
ومن هذا المنطلق، فإن إبعاد إيجئي وتعيين شخص آخر مكانه، ما لم يترافق مع تغيير هيكلي، وإصلاح جذري للقوانين، وإنهاء تدخل الأجهزة الأمنية، وضمان حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ، ووقف انتزاع الاعترافات بالإكراه، وإلغاء الأحكام السياسية، وضمان المحاكمات العادلة، فلن يؤدي إلى إحداث تغيير جوهري في أوضاع حقوق الإنسان.

