الثنائي الذي خسر الحرب.. هل سيخسر السلم ايضا؟!

جاد الأخوي

لم يسقط “فائض القوة” في معركة واحدة.

سقط أولاً في الوعي اللبناني.

ثم سقط في الإقليم.

ثم بدأ يسقط في خطاب أصحابه.

وهذا هو السقوط الأخطر.

لأكثر من عشرين عاماً، لم يحكم الثنائي لبنان بالشراكة، بل بالرهبة. لم يكن يحتاج إلى أكثرية نيابية كي يفرض إرادته، ولا إلى أكثرية شعبية كي يعطل الدولة. كان يكفي أن يعرف الجميع أن هناك سلاحاً فوق الدستور، وأن هناك قراراً لا يناقش، وأن كل من يعترض سيدفع الثمن السياسي، وربما أكثر.

كانت الجمهورية تُدار على قاعدة بسيطة: هناك دولة على الورق، وهناك سلطة فعلية تملك حق الفيتو على كل شيء.

الرئاسة…الحكومة…القضاء…الأمن…الحرب…السلم.

كلها كانت تدور في فلك فائض القوة.

وكان المطلوب من اللبنانيين أن يسموا ذلك “توازناً وطنياً”.

لكن التاريخ لا يرحم المشاريع التي تعتقد أنها أكبر من الدولة.

المشكلة في فائض القوة أنه يتحول مع الوقت إلى فائض ثقة… ثم إلى فائض غرور… ثم إلى فائض أخطاء.

وهذا بالضبط ما حدث.

انهارت الدولة وبقيت اتهامات العمالة

عندما كان كل من يحذر من الانهيار يوصف بالعميل، لم يكن الانهيار قد بدأ بعد.

وعندما كان كل من يطالب بحصر السلاح بيد الدولة يُتهم بالخيانة، كانت الدولة لا تزال قادرة على الوقوف.

أما اليوم، فقد انهارت الدولة، وبقيت الاتهامات نفسها.

أي مفارقة أكثر قسوة من هذه؟

لقد وعدوا اللبنانيين بالقوة…فحصلوا على الإفلاس.

ووعدوهم بالحماية…فحصلوا على النزوح والخوف.

ووعدوهم بالكرامة…فحصلوا على طوابير المصارف والهجرة والمساعدات الإنسانية.

حتى البيئة التي قيل إنها المستفيد الأول من هذا المشروع، دفعت أثماناً لا يستطيع أحد إنكارها.

بيوت مهدمة. اقتصاد منهك. جيل كامل يبحث عن مستقبل خارج لبنان.

ثم يخرج علينا من يسأل: لماذا تراجعت الشعبية؟

وكأن المشكلة في الناس، لا في السياسات.

يستجدون حماية الدولة

الأكثر إثارة للسخرية أن الذين كانوا يستهزئون بالدولة أصبحوا يطالبونها اليوم بالحماية. ويشتمون رئيسها ويتهمونها بالخيانة العظمى ويشاركون فيها.

الذين قالوا إن الجيش لا يستطيع حماية لبنان، يريدون منه الآن حماية السلم الأهلي.

والذين اتهموا القضاء بالعجز، يطالبونه اليوم بالعدالة.

والذين قالوا إن الشرعية لا تحرر أرضاً، يتمسكون اليوم بشرعية المؤسسات كلما شعروا بالخطر.

هذا ليس تحولاً فكرياً.

إنه اعتراف متأخر بأن الدولة، مهما أُضعفت، تبقى الملاذ الأخير.

لكن ماذا بعد سقوط فائض القوة؟

هنا تبدأ المرحلة الأخطر.

ليس لأن لبنان ذاهب حتماً إلى الفوضى، بل لأن كل قوة اعتادت أن تحكم بمنطق الهيمنة تجد صعوبة في التأقلم مع المساواة.

السؤال الحقيقي ليس: هل انتهى فائض القوة؟

السؤال هو: هل يقبل أصحابه بالعيش من دون فائض؟

هل يقبلون أن يصبحوا حزباً سياسياً يخضع للقانون مثل سائر الأحزاب؟

هل يقبلون أن يصبح قرار الحرب بيد الدولة؟

هل يقبلون أن يكون الجيش المرجعية الأمنية الوحيدة؟

هذه هي المعركة الحقيقية.

وليس أي شيء آخر.

البعض يلوح بالحرب الأهلية.

لكن الحرب ليست قدراً.

ولا تبدو مصلحة لأي طرف لبناني في العودة إليها.

أما الخطر الحقيقي فهو محاولة إبقاء لبنان في منطقة رمادية: لا حرب ولا دولة، لا سلم ولا استقرار، فقط توتر دائم يمنع قيام الجمهورية.

وهناك من يخشى أيضاً عودة مسلسل الاغتيالات.

لا أحد يستطيع أن يجزم بذلك، ولا يجوز تحويل الاحتمالات إلى وقائع. لكن التجربة اللبنانية علمتنا أن المراحل الانتقالية تحتاج إلى أعلى درجات اليقظة، لأن أي حادث أمني كبير قد يهدد الاستقرار إذا لم تواجهه الدولة بحزم ووحدة.

الجيش امام الامتحان الصعب

أما الجيش اللبناني، فهو اليوم أمام امتحان لم يعرفه منذ سنوات.

كل خطوة يقوم بها ستُراقب.

وكل قرار سيفسر سياسياً.

لكن نجاحه في تطبيق القانون على الجميع، بلا استثناء، هو الشرط الأول لولادة لبنان الجديد.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

الثنائي لا يخسر لأنه هُزم عسكرياً فقط.

بل لأنه خسر الرواية.

رواية أن السلاح يبني دولة.

رواية أن فائض القوة يصنع الاستقرار.

رواية أن الجمهورية يمكن أن تعيش إلى جانب دويلة مسلحة إلى الأبد.

كل ذلك سقط.

وما لم يسقط بعد، سيسقط أمام الوقائع.

لقد دخل لبنان مرحلة لا يعود فيها السؤال: من يملك السلاح؟

بل: من يملك مشروع الدولة؟

هذه هي المعركة التي ستحدد مستقبل الجمهورية.

أما الثنائي، فهو أمام خيارين لا ثالث لهما.

إما أن يقرأ التحولات بعقل الدولة، ويعترف بأن زمن فرض الإرادات قد انتهى.

وإما أن يبقى أسير وهم أن ما خسره بالقوة يستطيع استعادته بالشعارات.

لكن الأوطان لا تُدار بالأوهام.

والشعوب قد تصبر سنوات طويلة…

إلا أنها لا تنسى من صادر دولتها، ولا من صادر قرارها، ولا من أقنعها أن فائض القوة هو ضمانة لبنان، فإذا به يتحول إلى الطريق الأقصر نحو انهياره.

ربما يكون أكبر إنجاز يقدمه سقوط فائض القوة للبنان أنه أعاد طرح السؤال الذي هرب منه الجميع لعشرين عاماً:

هل نريد وطناً تحكمه المؤسسات…أم وطناً يحكمه ميزان السلاح؟

الجواب هذه المرة لن تكتبه البنادق.

سيكتبه اللبنانيون، إذا امتلكوا الشجاعة لدفن مرحلة فائض القوة، لا أصحابها فقط.

السابق
محادثات غير مباشرة في الدوحة بين أميركا وإيران