هل يدعونا الرئيس بري الى الاقتداء بـ«ابن اللبّون» في قدراتنا العقلية أيضا؟!

نبيه بري

قال الرئيس بري: “يا أهلي في لبنان، كل لبنان، إنها الفتنة”، مضيفاً “كن في الفتنة كابن اللبّون، لا ظهرٌ فيُركب ولا ضرعٌ فيُحلب”.

عندما يكون الكلام متعلقاً بالفتنة، والمقصود بها الحرب الأهلية ببن اللبنانيين، لا يعود مسموحا التعامل مع تصريح الرئيس بري بخفة. فاياً كان هدفه، التهويل ام التحذير في أقصى درجاته كما جاء في صيغة الكلام، على المواطنين اللبنانيين التنبّه جيداً، ومن واجبهم مساءلة بري عن حقيقة هذا الخطر الوطني الكبير الذي يحذّر منه وعن الحلول التي يعدّها لدرئه، كرأس للسلطة التشريعية.

في هذا السياق، وكمواطن لبناني توجه اليه الرئيس بري بما يشبه النداء، أخاطبه ملخصاً موقفي بالنقاط التالية:

١- كنت افضل ان يخاطب الرئيس بري اللبنانيين كمواطنين وليس ك”أهل”، حفاظا على طبيعة العلاقة الدستورية بينه وبينهم، وبين بعضهم البعض، وعدم اغراقها بمفاهيم عائلية، تستدعي “المونة” احياناً كما تستدعي الثأر احياناً اخرى، وفي الحالتين تبقى علاقات خارجة عن القانون.

٢-  جاء تصريح الرئيس بري مباشرة بعد اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي، لكنه جاء أيضًا بعد التظاهرات التي نظمها الثنائي الشيعي احتجاجًا على الاتفاق، والتي ترافقت مع تحذير من الحرب الأهلية من قبل نواب في حزب الله. فهل الخوف من الفتنة مرتبط، عند بري، بمضمون الاتفاق أم بطبيعة ردود الفعل عليه؟

٣- استعان الرئيس بري بحكمة مأثورة للإمام علي، كقاعدة سلوكية نصح “أهل لبنان” باعتمادها: “كونوا في الفتنة كابن اللبّون، لا ظهرٌ فيُركب، ولا ضرعٌ فيُحلب”.

“ورد مصطلح ابن اللبّون في التراث العربي، وتحديداً في حكمة مأثورة للإمام علي بن أبي طالب في نهج البلاغة يقول فيها: “كُنْ في الفتنة كابن اللّبون، لا ظهرٌ فيركب، ولا ضرعٌ فيطلب”:

• لا ظهر فيُركب، فصغير الإبل في هذا العمر يكون ضعيف البنية ولا يقوى على حمل الأثقال أو الركوب، فلا يستغله أحد كأداة؛ ولا ضرعٌ فيحلب، لأنه”ذكر” فليس له ضرع يُحلب ولا يُنتفع منه في إنتاج الحليب. والمغزى من الحكمة: الدعوة إلى الاعتزال التام، وعدم الانجرار وراء أطراف النزاع”.

المفارقة ان هذه الحكمة لم تستطع للأسف، حتى ايام الامام علي، أن تدرء “الفتنة الكبرى” بين السنة والشيعة، أو الفتن الصغرى المستمرة حتى اليوم.

جاء تصريح الرئيس بري مباشرة بعد اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي، لكنه جاء أيضًا بعد التظاهرات التي نظمها الثنائي الشيعي احتجاجًا على الاتفاق، والتي ترافقت مع تحذير من الحرب الأهلية من قبل نواب في حزب الله.

٤- نصيحة الرئيس بري تعوّل على وعي المواطنين في درء الفتنة وعدم السماح في استخدامهم في الحروب، وهذا جيّد بحد ذاته، لكنها تصبح تهربًا من المسؤولية من قبل المسؤول إذا لم تترافق مع تدابير عملية يتخذها هو في إطار المؤسسات الدستورية.

الأخطر من ذلك أن الرئيس بري يخاطب اللبنانيين وكأنهم متساوون في القدرة على درء الفتنة، ولا يميّز بين من يحمل السلاح ويهوّل بخطر الحرب الأهلية، وبين المواطنين العزّل. فالأولون يحتاجون إلى لجمهم بالقوة عن ممارسة العنف أكثر من حاجتهم إلى حكمة الإمام علي، فيما يميل المواطنون الباقون العزّل تلقائيًا إلى تطبيق الحكمة بفعل عجزهم عن المواجهة.

وربما كان الرئيس بري يعتقد، أن لعب حركة امل دور ابن اللبّون في علاقتها مع حزب الله، هو ما وفّر على الطرفين صراعات دموية حتى الآن، وهو يفترض بالتالي ان القاعدة نفسها تنطبق على علاقة المواطنين العزّل مع حزب الله.

ألم يلاحظ الرئيس بري ان حزب الله لم يتوانَ، طيلة فترة هيمنته على الدولة، عن ركب ظهر المواطنين العزّل الذين تشبهوا بابن اللبون؟ ألم يلاحظ في حواراته هو مع حزب الله واتباعه، انه عندما يقول لهم “تيس” يجيبونه “حلبوه”؟

٦- كان رئيس البرلمان الإيراني، قاليباف، أسرع من اللبنانيين في الرد على نداء الرئيس بري، فاتصل به وقال له إن “إنهاء الحرب وصون سيادة لبنان جزء أساسي من البند الأول من مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران.” وهي دعوة صريحة من قاليباف إلى بري للاستمرار في تجاهل “اتفاق الإطار” بين لبنان وإسرائيل. ولأن الرئيس بري هو رئيس السلطة التشريعية، فهي دعوة إلى مخالفة الدستور الذي يكلّف السلطة التنفيذية القيام بالمفاوضات مع الخارج. وهذه مسألة لا اهمية لها بالنسبة للنظام الإيراني، الذي لا يعترف بفصل السلطات ويستتبع السلطات جميعها لسلطة الولي الفقيه، لكنها بالنسبة للنظام اللبناني تضيف شرخًا جديدًا إلى الانقسام الحالي، وتعطّل، في الوقت نفسه، الآلية الدستورية التي يمكن من خلالها مناقشة الخلافات حول “اتفاق الإطار”، وربما إيجاد حلول سلمية لها.

وليست الآلية الدستورية إلا الضامن الأول لحل النزاعات الوطنية بالطرق السلمية، ومنع الغرق في الفتن. بمعنى آخر، إن اتصال قاليباف ببري، وموافقة بري على ما قاله قاليباف بشأن التفاهم الأمريكي الإيراني، يفتحان الباب واسعًا أمام الفتنة التي حذر منها بري قبل يوم واحد من المحادثة.

ألم يلاحظ الرئيس بري ان حزب الله لم يتوانَ، طيلة فترة هيمنته على الدولة، عن ركب ظهر المواطنين العزّل الذين تشبهوا بابن اللبون؟ ألم يلاحظ في حواراته هو مع حزب الله واتباعه، انه عندما يقول لهم “تيس” يجيبونه “حلبوه”؟

إن الحكمة، وحدها، لا تكفي لمنع النزاعات المسلحة، بل المطلوب هو تنظيم الصراع السياسي في إطار المؤسسات الدستورية، وفقًا للآليات الديمقراطية، وبشرط احتكار السلاح من قبل الدولة. وهذا، للأسف، ما يفرّط به الرئيس بري، بشكل مخيف ومستنكَر، وهو يتحمل مسؤولية ما قد ينتج عن ذلك من فتنة يحذّر منها بنفسه.

استخدام الجيش ليس أداة فتنة كما يردد حزب الله، بل هو من يمنع الفتن في الدول التي تكثر فيها النزاعات السياسية الأهلية، وذلك من خلال احتكاره لحمل السلاح. واذا كان هناك من إيجابية في “اتفاق الاطار” فهو الدور الكبير المعطى للجيش اللبناني في تعبيد الطريق أمام انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، كما في نزع سلاح حزب الله، رغم الشروط الاسرائيلية الصعبة. وهذا ما يجب أن يكون نقطة التقاء مركزية بين الحكومة اللبنانية والرئيس بري، خاصة وان هذا الجيش، في عناصره وفي قياداته الشيعية وغير الشيعية، يحظى بثقته وبثقة البيئة الشيعية المؤيدة للثنائي الشيعي.

التحذير من الفتنة مع الاستمرار في منع الجيش من تسلم مسؤولياته الامنية، بالتوازي مع غض الطرف عن سلاح حزب الله، ليس أكثر من ذرّ الرماد في العيون، الا اذا اعتبرتَ يا دولة الرئيس بري انه مطلوب منا ان نتصرف وكأن قدراتنا العقلية أيضا هي بحجم قدرات عقل ابن اللبّون.

السابق
القليعات واتفاق الإطار في بعبدا… عون يفتح ملفات المرحلة المقبلة