بين المراهنة على طهران والتهديد بالشارع: لغز التناقض في سياسة حزب الله تجاه الدولة

حزب الله وعون
إن التساؤل "إلى متى؟" لم يعد تساؤلاً سياسياً، بل هو صرخة وجودية تطلقها بيئة الحزب قبل خصومه. فالخيار البديل للاتفاق والدولة ليس النصر، بل هو استنزاف مديد يؤدي إلى الفناء الشامل، وتعميق الانهيار الذي يضرب المؤسسات التربوية والصحية والاقتصادية في البلاد.

تطرح التحولات المتسارعة التي يعيشها لبنان، وسط استمرار آلة القتل والتدمير الإسرائيلية، أسئلة مصيرية تبدأ من الواقع الميداني ولا تنتهي عند حدود الهوية السياسية والوطنية لكيان بأكمله.

في قلب هذه العاصفة، يبرز تساؤل يتردد في صالونات السياسة كما في الشارع المنهك: لماذا يصر حزب الله على المراهنة على المحور الإيراني، بدلاً من المراهنة على الدولة اللبنانية، صاحبة الأرض والقضية والشرعية؟ ولماذا يبدو الحزب حريصاً على أن يحمل أي اتفاق لوقف إطلاق النار “بصمات إيرانية”، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مرجعية رسمية جامعة توقف هذا النزيف المستمر؟

رهان المحور في مواجهة رهان الدولة

إن الالتزام العقائدي والسياسي لحزب الله بالجمهورية الإسلامية الإيرانية ليس جديداً، لكن تجلياته في الأزمات الكبرى أصبحت تثير حفيظة شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يرون في الدولة الملجأ الوحيد. يظهر هذا الإصرار بشكل جلي في المفاوضات الجارية، حيث تبدو طهران وكأنها شريك غير مباشر، بل وموجه، لمسار التفاوض، وهو ما عكسه بوضوح موقف أمين عام الحزب، نعيم قاسم، في رسالته الأخيرة التي أكد فيها البقاء مع إيران ورفض أي التزام لا يحظى بموافقتها، معتبراً أن “لا يحق لأحد أن يوقع شيئاً” بمعزل عن هذه الرؤية المشتركة.

لقد آن الأوان لحزب الله، وللقيادة في طهران، أن تدرك وتوقن أن لبنان لم يعد قادراً، ولا راغباً، في أن يكون منصة للصواريخ الإيرانية، أو ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية مع الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها

هذا التموضع يضع الحزب في موقع التناقض مع فكرة “الدولة صاحبة الأرض”. فالشرعية الدولية والعربية والمحلية لا تتعامل مع محاور، بل مع حكومة رسمية تمثل الشعب اللبناني بكافة أطيافه. والذهاب نحو الدولة لا يعني إضعافاً للمقاومة، بل هو تحصين لها بغطاء وطني جامع، يحمي لبنان من الاستفراد الإسرائيلي ويمنحه قوة تفاوضية تنطلق من الثوابت الوطنية لا من الحسابات الإقليمية.

الدور الإيراني.. بين السقف الإعلامي والواقع الميداني

أمام ما يشهده الجنوب والبقاع والضاحية من دمار شامل، يسأل المواطن اللبناني بمرارة: ماذا قدمت طهران لوقف الحرب ووقف آلة القتل، غير التصاريح الإعلامية والتهديدات الشفهية؟

بينما تنشغل الدبلوماسية الإيرانية في واشنطن وعبر قنوات الاتصال بمناقشة تفاصيل تفاهماتها الخاصة، وحماية أصولها المالية المفرجة عنها، وضمان موقعها في مضيق هرمز، يبدو السقف الإيراني المتاح لدعم حلفائها محكوماً بحسابات “سقف التحمل” وتجنب المواجهة المباشرة الشاملة.

هذا التباين يجعل التمسك بالبصمة الإيرانية في أي اتفاق سراً مستغرباً، فماذا يمكن لإيران أن تحصل عليه أكثر من استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط تفاوضية؟ إن الهجوم الحاد والجنون التصريحي من بعض الأجنحة المتشددة في طهران ضد مسودات الاتفاق المطروحة في واشنطن، لا ينبع من الخوف على مصلحة لبنان، بل من الخوف على خسارة ورقة نفوذ إقليمية كبرى، دون النظر إلى الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة التي يتكبدها اللبنانيون.

الشيء ونقيضه.. معضلة الشراكة والاعتراض

يعيش حزب الله مفارقة سياسية كبرى في تعاطيه مع السلطة التنفيذية، فهو ممثل في الحكومة اللبنانية، وموافق على بيانها الوزاري الذي يمنحها الحق في إدارة البلاد وتسيير شؤونها الدبلوماسية والعسكرية. ومع ذلك، يمارس الحزب أحياناً سلوك “المعارضة من داخل الحكم”، فيوافق على السير في قنوات الدولة ثم يخرج بخطاب يدين التوجهات الحكومية أو يضع في وجهها الخطوط الحمر.

أمام ما يشهده الجنوب والبقاع والضاحية من دمار شامل، يسأل المواطن اللبناني بمرارة: ماذا قدمت طهران لوقف الحرب ووقف آلة القتل، غير التصاريح الإعلامية والتهديدات الشفهية؟

هذا السلوك يمثل الشيء ونقيضه في آن واحد. إن احترام المؤسسات يقتضي تسليم القرار التفاوضي بالكامل للحكومة ورئيسها، أو الذهاب نحو خيار الاستقالة والابتعاد عن السلطة لتركها تتحمل مسؤولياتها التاريخية بعيداً عن الضغوط. أما الإصرار على البقاء في مجلس الوزراء مع التلويح الدائم بقدرة الشارع، أو شد العصب الحزبي والطائفي، والتحذير المبطن من سيناريوهات تشبه الحرب الأهلية، فلن يقود البلاد إلا إلى مزيد من الشرخ العمودي والخراب الوجداني والمجتمعي.

الخيارات البديلة.. هل هو الانتحار الجماعي؟

في ظل هذا الاستعصاء، ما هي الخيارات البديلة التي يملكها الحزب إذا ما استمر في رفض الحلول المتاحة تحت مظلة الدولة؟

  • المزيد من القتل والتدمير: الاستمرار في حرب استنزاف مفتوحة أمام تفوق تكنولوجي وجوي إسرائيلي مدمر، يعني خسارة ما تبقى من بِنَى تحتية وقرى مدمرة بالكامل في الجنوب والبقاع.
  • المزيد من الانهيار الاقتصادي: تآكل كامل للقدرة المعيشية، ونزوح مئات الآلاف، واضمحلال الطبقة الوسطى، وتحول المجتمع إلى مجتمع إغاثي يعتمد على المساعدات الخارجية.
  • المزيد من الموت: نزيف بشري مستمر يطال النخبة والشباب والعائلات، دون أفق سياسي واضح يستثمر هذه التضحيات في مشروع بناء حقيقي.

إن التساؤل “إلى متى؟” لم يعد تساؤلاً سياسياً، بل هو صرخة وجودية تطلقها بيئة الحزب قبل خصومه. فالخيار البديل للاتفاق والدولة ليس النصر، بل هو استنزاف مديد يؤدي إلى الفناء الشامل، وتعميق الانهيار الذي يضرب المؤسسات التربوية والصحية والاقتصادية في البلاد.

لبنان ليس منصة وليس ساحة

لقد آن الأوان لحزب الله، وللقيادة في طهران، أن تدرك وتوقن أن لبنان لم يعد قادراً، ولا راغباً، في أن يكون منصة للصواريخ الإيرانية، أو ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية مع الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها. إن زمن “توحيد الساحات” على حساب دماء اللبنانيين واستقرارهم قد وصل إلى حائطه المسدود، وباتت كلفته تفوق أي عائد استراتيجي مفترض.

العدالة الحقيقية والشجاعة التربوية والسياسية تبدأ من الاعتراف بأن مصلحة لبنان تعلو فوق مصلحة المحور. والعودة إلى كنف الدولة، والقبول بجيشها الوطني كحامٍ وحيد ومطلق للحدود والسيادة، هو المخرج الوحيد لصون كرامة الإنسان لبناء وطن حقيقي لجميع أبنائه، لا ساحة بريد لرسائل الآخرين.

السابق
بري: اتفاق الإطار يحمل الفتنة.. ويدعو إلى التهدئة